وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ من مرض أو فقر أو ذلّ أو إيذاء أو ابتلاء أو غير ذلك من البلاء فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ. أي: فلا قادر على كشفه إلا هو وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ من غنى أو صحّة أو نصر أو غير ذلك من نعمه فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. أي قادر على الإيصال والإدامة والإزالة. وتعليقا على هذه الآيات الثلاث الأخيرة والآية التي بعدها قال صاحب الظلال:
«فما أحوج من يواجه الجاهلية بطاغوتها وجبروتها، وبإعراضها وعنادها، وبالتوائها وكيدها، وبفسادها وانحلالها .. ما أحوج من يواجه هذا الشر كله، أن يستصحب في قلبه هذه الحقائق وهذه المشاعر .. مخافة المعصية والولاء لغير الله. ومخافة العذاب الرعيب الذي يترقّب العصاة .. واليقين بأن الضار والنافع هو الله. وأن الله هو القاهر فوق عباده؛ فلا معقّب على حكمه، ولا رادّ لما قضاه .. إن قلبا لا يستصحب
هذه الحقائق وهذه المشاعر لن يقوى على تكاليف «إنشاء» الإسلام من جديد في وجه الجاهلية الطاغية. وهي تكاليف هائلة تنوء بها الجبال!
ثم ما أحوج العصبة المؤمنة - بعد أن تستيقن حقيقة مهمتها في الأرض اليوم؛ وبعد أن تستوضح حقيقة العقيدة التي تدعو إليها، ومقتضياتها من إفراد الله سبحانه بالولاء
بكل مدلولاته، وبعد أن تستصحب معها في مهمتها الشاقة تلك الحقائق والمشاعر .. ما أحوجها بعد ذلك كله إلى موقف الإشهاد والقطع والمفاصلة والتبرؤ من الشرك الذي تزاوله الجاهلية البشرية اليوم، كما كانت تزاوله جاهلية البشرية الأولى. وأن تقول ما أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يقوله؛ وأن تقذف في وجه الجاهلية؛ بما قذف به في وجهها الرسول الكريم، تنفيذا لأمر ربه العظيم:
قُلْ: أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً؟ قُلِ: اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ. أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى؟ قُلْ: لا أَشْهَدُ. قُلْ: إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ، وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ..