القوى في إخباره عن حقائق الأمور مفصلة أحسن تفصيل في أساليب قصرت دونها سوابق الأفكار ، وكعّت عنها نوافذ الأفهام ، فثبتت به نبوته ووضحت رسالته ، فكان اقتراحهم ظاهراً في كونه تعنتاً لأنهم كذبوا بأعظم الآيات: القرآن ، ولم يؤمنوا به ، وطعنوا فيه بما زادهم فضائح ، فثبت أنه لا فائدة في إجابتهم إلى مقترحاتهم ، فكان الجواب - عما اقتضاه لسان حالهم من طلب التحاكم إلى أوليائهم ببليغ الإنكار عليهم بقوله: {أفغير الله} أي الملك الأعظم - على غاية من البلاغة لا تدرك ، والفاء فيه للسبب ، وإنما تقدمت عليها همزة الإنكار لاقتضائها الصدر {أبتغي} أي أطلب حال كون ذلك الغير {حكماً} أي يحكم بيني وبينكم ويفصل نزاعنا ؛ ثم استدل على هذا الإنكار بتفصيل الكتاب هذا التفصيل المعجز فقال: {وهو} أي والحال أنه لا غيره {الذي أنزل إليكم} أي خاصة نعمة علي بالقصد الأول وعليكم بالقصد الثاني {الكتاب} أي الأكمل المعجز ، وهو هذا القرآن الذي هو تبيان لكل شيء {مفصلاً} أي مميزاً فيه الحلال والحرام ، وغير ذلك من جميع الأحكام ، مع ما تفيده فواصل الآيات من اللطائف والمعارف الكاشفة لحقائق البدايات والنهايات ، ولقد اشتد الاعتناء في هذه السورة بالتنبيه على التفصيل