قال: والتحقيق أنه لما أريد فصل كليهما بفاصلة تنبيهاً على استقلال كل واحدة منهما بالمقصود من الحجة كره فصلهما بفاصلتين متساويتين في اللفظ ، لما في ذلك من التكرار ، فعدل إلى فاصلة مخالفة ، تحسيناً للنظم ، واتساقاً في البلاغة ، ويحتمل وجها آخر في تخصيص الأولى بالعلم ، والثانية بالفقه ، وهو أنه لما كان المقصود التعريض بمن لا يتدبر آيات الله ، ولا يعتبر بمخلوقاته ، وكانت الآيات المذكورة أولاً خارجة عن أنفس النظار ومنافية لها ، إذا النجوم والنظر فيها ، وعلم الحكمة الإلهية في تدبيره لها ، أمر خارج عن نفس الناظر ، ولا كذلك النظر في إنشائهم من نفس واحدة ، وتقابلتهم في أطوار مختلفة ، وأحوال متغايرة فإنه نظرٌ لا يعدو نفس الناظر ، ولا يتجاوزها . فإذا تمهد ذلك . فجهل الإنسان بنفسه وأحواله ، وعدم النظر فيها والتفكر ، أبشع من جهله بالأمور الخارجية عنه ، كالنجوم والأفلاك ، ومقادير سيرها وتقلبها . فلما كان الفقه أدنى درجات العلم ، إذ هو عبارة عن الفهم ، نفي من أبشع القبيلين جهلاً ، وهم الذين لا يتبصرون في أنفسهم ، ونفي الأدنى أبشع من نفي الأعلى درجة ، فخص به أسوأ الفريقين حالاً . و (يفقهون) ههنا مضارع فقه الشيء - بكسر القاف - إذا فهمه ، ولو أدنى فهم . وليس من (فقُه) بضم القاف ، لأن تلك درجة عالية ، ومعناه صار فقيهاً - قاله الهروي في معرض الاستدلال على أن (فقه) أنزل من (علم) - . وفي حديث سلمان أنه قال ، وقد سألته امرأة جاءته: فَقِهَتْ أي: فَهِمَتْ ، كالمتعجب من فهم المرأة عنه . وإذا قيل: فلان لا يفقه شيئاً كان أذمّ في العرف من قول: فلان لا يعلم شيئاً . وكأن معنى قولك: (لا يفقه شيئاً) ليست له أهلية الفهم وإن فهِّم . وأما قولك (لا يعلم شيئاً) فغايته نفي حصول العلم له ، وقد يكون له أهلية الفهم والعلم ، لو يعلّم . والذي يدل على أن التارك للفكرة في نفسه أجهل وأسوأ حالاً من التارك