فهرس الكتاب
وحين نتأمل قولهم: {لَن نُّؤْمِنَ} نجد أن في هذا القول إصراراً على عدم الإيمان ، أي لن نؤمن حتى في المستقبل إنهم تحكموا في المستقبل . ثم يفضحهم الله فيموت بعضهم على الكفر ، ومن بقي منهم يأتون مؤمنين بعد الفتح . ومن العجيب أن العبارة التي ينطقون بها هي عبارة مهزوزة لا تستقيم مع منطق الكفر منهم ، قالوا: لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله ، كأنهم قد عرفوا أن هناك رسلا من الله ، والأصل في الآية أن يؤمنوا برسل الله ورسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل ، وهذا القول يدل على مجرد المعارضة المقترنة بالغباء ، فما دمتم تعرفون أن لله رسلاً يصطفيهم ، فكيف تحاولون أنتم تحديد إرادة الله في الاختيار؟ .
إن رسل الله كانت لهم آيات كونية ، حسية مرئية ، وهي وإن كانت فيها قوة المشهد الملزم ، إلا إنه لا ديمومة لها ، فمن رأى سيدنا موسى وهو يضرب البحر فينفلق لن يكذب هذه الآية الكونية ، إلا أنها أصبحت خبراً والخبر مناسب لمحدودية رسالة موسى ، كذلك رسالة عيسى عليه السلام حيث أبرأ الأكمة والأبرص بإذن الله . وهذه الرسالات لزمن محدود وفي قوم محدودين ، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء ومعه المنهج المعجزة الباقي إلى قيام الساعة ، فإن كانت المعجزة حسيّة فلن يراها إلى أن تقوم الساعة . فلا بد له من آية باقية إلى قيام الساعة ؛ لذلك كانت الآية في المعنويات والعقليات التي لا تختلف فيها الأمم ولا تختلف فيها الأزمان ، لكنهم أرادوا معجزة حسية ، وأخرى عقلية ، حتى إذا جاءت واحدة فقط أنكروا الثانية ، فحسم الحق الأمر وقال: {الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَه} .