(اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ) الله ذو الجلال والإكرام، والعلم والقدرة على كل شيء أعلم حيث يجعل رسالته، وأفعل التفضيل ليس على بابه، وكذلك كل أفعل تفضيل يوصف به الله تعالى؛ لأنه لَا توجد مفاضلة بينه وبين أحد من خلقه في أي وصف من الأوصاف، ومعنى أفعل التفضيل في العلم بالنسبة لله تعالى على هذا أن الله تعالى يعلم مواضع الرسالة علما ليس فوقه علم قط؛ لأنه علم الله العليم بما كان وما سيكون، وما هو كائن إلى يوم الدين.
وقوله تعالى (حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) (حيث) ظرف مكان، أي الموضع من خلقه الذي يرتضيه ويصطفيه رسولا فهو الذي يربيه على عينه، ويشب على التقوى والعفة والأمانة، والخلق الكريم، حتى صح له أن يقول:"أدبني ربي فأحسن تأديبي".
وإن ذلك لبين لهم لو كانوا لَا يجحدون بالحق إذا بدت لهم بيناته، وظهرت آياته، ولقد كان من أوسطهم نسبا، فكان في الذؤابة من قريش، وكان أكرمهم خلقا وأطيبهم نفسا، وأعفهم وأشدهم أمانة، حتى كان يقال: الأمين، وسموه بهذا الاسم، فكانوا إذا أطلقوا كلمة (الأمين) لَا تنصرف إلا إليه عليه الصلاة والسلام، وكانوا يرضون حكمه، إذا جاء الأمر بالاحتكام فعندما اختلفوا فيمن يضع الحجر الأسود بعد أن بنوا الكعبة ارتضوا أن يكون الحكم أول من يدخل البيت، فكان الأمين أول من دخل البيت، فقالوا مطمئنين راضين هذا الأمين، وطابت نفوسهم بحكمه.
فالله تعالى العليم الحكيم، قد وضع رسالته في خيرهم بإقرارهم فكيف يمارون من بعد ذلك، ويقول قائلهم كبرا وعلوا في الأرض: أنا أولى، ويقول آخر: نريد أن نؤتى مثل ما أوتي الرسل، قالوا ذلك استكبارا فكان عقابهم صغارا، وعذابا أليما، ولذا قال تعالى:
(سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ) .
الصَّغار: هو الضيم والذل والهوان، فقد كانوا الأكابر الذين أجرموا، فكان العقاب الهوان، وكان عقاب الإجرام الذي ارتكبوه واستمرءوه وداوموا عليه العذاب الشديد.