فجائز أن يكون السؤال والجواب للجن مع الإنس قائمين على هذه القاعدة.. والأمر كله مما اختص الله سبحانه بعلمه ؛ والبحث فيما وراء هذا القدر لا طائل وراءه!
وعلى أية حال فقد أدرك المسؤولون من الجن والإنس ، أن السؤال ليس على وجهه. إنما هو سؤال للتقرير والتسجيل ؛ كما أنه للتأنيب والتوبيخ ؛ فأخذوا في الاعتراف الكامل ؛ وسجلوا على أنفسهم استحقاقهم لما هم فيه:
{قالوا: شهدنا على أنفسنا} :
وهنا يتدخل المعقب على المشهد ليقول:
{وغرتهم الحياة الدنيا ؛ وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين} ؛
وهو تعقيب لتقرير حقيقة حالهم في الدنيا. فقد غرتهم هذه الحياة ؛ وقادهم الغرور إلى الكفر. ثم ها هم أولاء يشهدون على أنفسهم به ؛ حيث لا تجدي المكابرة والإنكار.. فأي مصير أبأس من أن يجد الإنسان نفسه في هذا المأزق ، الذي لا يملك أن يدفع عن نفسه فيه ، ولا بكلمة الإنكار! ولا بكلمة الدفاع!
ونقف لحظة أمام الأسلوب القرآني العجيب في رسم المشاهد حاضرة ؛ ورد المستقبل المنظور واقعاً مشهوداً ؛ وجعل الحاضر القائم ماضياً بعيداً!
إن هذا القرآن يتلى على الناس في هذه الدنيا الحاضرة ؛ وفي هذه الأرض المعهودة. ولكنه يعرض مشهد الآخرة كأنه حاضر قريب ؛ ومشهد الدنيا كأنها ماض بعيد! فننسى أن ذلك مشهد سيكون يوم القيامة ؛ ونستشعر أنه أمامنا اللحظة ماثل! وأنه يتحدث عن الدنيا التي كانت كما يتحدث عن التاريخ البعيد!
{وغرتهم الحياة الدنيا ، وشهدوا على أنفسهم أنهم - كانوا - كافرين} ..
وذلك من عجائب التخييل!