والجعل هنا معناه الصّرف والتّقسيم ، كما في قول عمر في قضيّة: ما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم المختصم فيها العبّاس وعليّ رضي الله عنهم"فيجعَلُه رسولُ اللَّه مجعل ماللِ اللَّه"أي يضعه ويصرفه ، وحقيقة معنى الجعل هو التّصيير ، فكما جاء صيّر لمعان مجازية ، كذلك جاء (جعل) ، فمعنى {وجعلوا لله} : صرفوا ووضعوا لله ، أي عيّنوا له نصيباً ، لأنّ في التّعيين تصييراً تقديرياً ونقلاً.
وكَذلِك قول النّبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي طلحةَ:"أرى أن تجعلَها في الأقربِين"أي أن تصرفها إليهم ، و {جعل} هذا يتعدّى إلى مفعول واحد ، وهذه التّعدية هي أكثر أحوال تعديته ، حتّى أنّ تعديته إلى مفعولين إنَّما ما في الحقيقة مفعولٌ وحالٌ منه.
ومعنى: {ذرأ} أنشأ شيئاً وكثّره.
فأطلق على الإنماء لأنّ إنشاء شيء تكثير وإنماء.
و {ممّا ذرأ} متعلّق بـ {جَعلوا} ، و {من} تبعيضية ، فهو في معنى المفعول ، و {مَا} موصولة ، والإتيان بالموصول لأجل دلالة صلته على تسفيه آرائهم ، إذ ملَّكوا الله بعض مَلْكه ، لأنّ ما ذرأه هو مِلْكُه ، وهو حقيق به بلا جَعْل منهم.
واختيار فعل: {ذرأ} هنا لأنّه الّذي يدلّ على المعنى المراد ، إذ المقصود بيان شرائعهم الفاسدة في نتائج أموالهم.
ثمّ سيبيّن شرعهم في أصول أموالهم في قوله: {وقالوا هذه أنعام وحرث حجر} [الأنعام: 138] الآية.
و {من الحرث والأنعام} بيان {ما} الموصولة.
والحرثُ مراد به الزّرع والشّجر ، وهو في الأصل من إطلاق المصدر على اسم المفعول ، ثمّ شاع ذلك الإطلاق حتّى صار الحرث حقيقة عرفية في الجنّات والمزارع ، قال تعالى: {أن اغْدُوا على حرثكم إن كنتم صارمين} [القلم: 22] .