على أن من الواجب أن نسجل أن التقريرات التنويهية القرآنية لم تتناول إلّا قلّة منهم في حين كانت أكثريتهم العظمى وعلى رأسهم أكثر أحبارهم وربانييهم منحرفين عن الحق موغلين في الكيد والتآمر، على ما تفيده بعض هذه الآيات ثم الفصول القرآنية المدنية، حتى لقد وصل الأمر ببعضهم إلى إظهار إيمانهم بالجبت والطاغوت نفاقا لزعماء مشركي مكة وقولهم لهم إنهم أهدى من النبي صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه على ما حكته آيات سورة النساء هذه: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ
آمَنُوا سَبِيلًا (51) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً (52) .
وعلى كل حال فالآية التي نحن في صددها تتضمن تنويها بالذين يتمسكون بكتاب الله ووصاياه ويؤدون له حقه من العبادة، وبشارة وتطمينا بأن الله لا يضيع أجرهم، حيث ينطوي في ذلك تلقين بليغ مستمر المدى يستوحيه المسلمون أيضا في التزامهم كتاب الله وما فيه من أوامر ونواه وحدود ومبادئ وأحكام وحلال وحرام. ولقد جاء في سورة الأنعام هذه الآية: وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155) حيث يوجه الخطاب فيها إلى سامعي القرآن مباشرة بسبيل الحثّ على اتّباع كتاب الله وابتغاء رحمة الله ورضوانه بذلك. وفي سورة العنكبوت هذه الآية: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (51) . حيث يوجّه الخطاب فيها كذلك إلى سامعي القرآن بسبيل التنويه بما في كتاب الله من تذكير ورحمة لمن يؤمن به.