جاء الأَمر هنا بالسكنى حيث قيل: {اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا} ولكنه في البقرة أَمر بالدخول حيث قيل: {ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا} ولا تناقض في ذلك، فإِن الدخول لغرض السكنى، وعطف الأَكل هناك بفاء الترتيب (فكلوا) لأَنه يكون بعد الدخول، وعطف بالواو"وكلوا"لأَن السكنى أَمر ممتد، والأَكل يكون معها لا بعدها، والواو للمعية وذكر هناك"رَغَدًا"ولم يذكر هنا, لأَن الأَكل بعد الدخول عقب النصر يكون أَلذ، أَما بعد السكنى والاعتياد على المكان، فإِنه يكون أَقل لذة فلذا لم يذكر معها, ولا تنافى بين قوله هنا: {وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} بتقديم القول على الدخول، وقوله في البقرة {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ} بتقديم الدخول على القول, لأَن المأمور به في الآيتين
هو الجمع بين الفعلين من غير اعتبار الترتيب بينهما، فإِن الواو لمطلق الجمع فلا تفيد ترتيبًا ولا تعقيبا.
162 - {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ} :
أَي فبدل الذين ظلموا من هؤُلاء - وكلهم كانوا ظالمين - قولًا غير الذي قيل لهم، فقد أُمروا بالتوبة والاستغفار بأَن يقولوا حطة لذنوبنا وغفران لها، فوضعوا مكان ذلك قولًا آخر لا خير فيه تكبرًا وعتوا, ولم يذكروا فضل الله عليهم في الانتصارات ونعمته عليهم بالإِسكان في تلك القرية بعد التشريد في التيه أَربعين عامًا وهكذا يفعل عتاة الجيوش المنتصرة, يتكبرون في الأَرض، ويستَعْلون على الناس وينسبون الانتصار لأَنفسهم، وينسون فضل الله - تعالى - عليهم.