وامتاز المذكور فِي سورة فصلت بمزيد التأكيد والتعريف والتخصيص ؛ لأن سياق ذلك بعد إنكاره سبحانه على الذين شكوا فِي سمعه لقولهم وعلمهم به ، كما جاء فِي الصحيحين من حديث ابن مسعود قال:"اجتمع عند البيت ثلاثة نفر قرشيان وثقفي ، أو ثقفيان وقرشي ، كثير شحم بطونهم ، قليل فقه قلوبهم ، فقالوا: أترون الله يسمع ما نقول؟ فقال أحدهم: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا ، فقال الآخر: إن سمع بعضه سمع كله ، فأنزل الله عز وجل: {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصاَرُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلِكنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مما تَعْمَلُونَ} إلى قوله: فَأَصْبَحْتُمْ"
مِنَ الخاسِرِينَ [فصلت: 22 - 23] .
فجاء التوكيد فِي قوله: {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [فصلت: 36] .
في سياق هذا الإنكار: أي هو وحده الذي له كمال قوة السمع وإحاطة العلم ، لا كما يظن به أعداؤه الجاهلون: أنه لا يسمع إن أخفوا وأنه لا يعلم كثيرا مما يعملون ، وحسن ذلك أيضا: أن المأمور به فِي سورة فصلت دفع إساءتهم إليه بإحسانه إليهم ، وذلك أشق على النفوس من مجرد الإعراض عنهم ولهذا عقبه بقوله: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت: 35] .
فحسن التأكيد لحاجة المستعيذ.
وأيضا فإن السياق هاهنا لإثبات صفات كماله وأدلة ثبوتها وآيات ربوبيته وشواهد توحيده ولهذا عقب ذلك بقوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ الليْلُ وَالنَّهَارُ} [فصلت: 37] وبقوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ أنك تَرَى الأرْضَ خَاشِعَة} [فصلت: 39] .