ثم ذكر جل شأنه عذرا آخر في جواز الإنسحاب إلى الوراء في اشتداد أزمة الحرب فقال"أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ"بقصد الانضمام إلى جماعة يريدون الهجوم على العدو من جهة أخرى ، أو يريدون قتاله من مكان آخر ، أو يريد أن يجابه العدو مع تلك الجماعة ، أو بضرب آخر من فنون الحرب التي يراها ، فهاتان الحالتان وما يتفرع عنهما جائز فيهما وفيما يراه من الطرق الأخرى التقهقر والهروب صنيعة بل هما مطلوبتان لما فيهما من النفع ومثاب عليهما فاعلهما ، أما إذا كان انهزامه لمجرد الخوف والرهبة"فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ"والعياذ باللّه ، فإنه يرجع بالذم في الدنيا والعقاب في الآخرة بدل المدح والسعادة في الدنيا والشهادة والرضاء في الآخرة ، لأن فعله هذا يكسر معنويات الجيش ويقوي جنان العدو فيسبب الذل والهوان والخزي والعار في الدنيا"وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ"في الآخرة"وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (16) "مصير أهلها ولما نصر اللّه عباده في واقعة بدر وكان ثابتا في علمه أنهم سيلاقون حروبا أخرى ، وانها قد تكون سجالا بينهم (أي لهم وعليهم) فقد حثهم في هذه الآية على الثبات وحذرهم من الهزيمة ، وهذه الآية محكمة وحكمها عام في كل منهزم إلى يوم القيامة لأنها مصدرة بخطاب المؤمنين ومطلقة باقية على إطلاقها لم تخصص ولم تقيد ، وقد جاء في الحديث الصحيح أن الفرار من الزحف من السبع الموبقات التي أمر الرسول باجتنابها ، وما قيل إنها منسوخة بآية (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ) قيل لا صحة له ، لأن هذه الآية مقيدة ومخصصة للتي قبلها كما سيأتي ، ثم ان المؤمنين بعد أن عادوا من بدر واستقروا في المدينة صاروا يتفاخرون بينهم مثل عادة الكفرة ، هذا يقول قتلت فلانا ، وهذا يقول أسرت فلانا ، وهذا يقول رميت فلانا ، فأنزل اللّه ردّا لهم كلهم"فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ"لا أنتم ، لأنه هو الفاعل الحقيقي ، وهو