قال الفخر الرازي: قال القاضي: معنى الآية أنه - تعالى - أنعم عليهم بالعقل والقدرة وإزالة الموانع وتسهيل السبل، والمقصود أن يشتغلوا بالعبادة والشكر، ويعدلوا عن الكفر، فإذا صرفوا هذه الأحوال إلى الفسق والكفر، فقد غيروا نعمة الله - تعالى - على أنفسهم، فلا جرم استحقوا تبديل النعم بالنقم، والمنح بالمحن.
قال: وهذا من أوكد ما يدل على أنه - تعالى - لا يبتدئ أحدا بالعذاب والمضرة.
وقال صاحب الكشاف: «فإن قلت: فما كان من تغيير آل فرعون ومشركي مكة حتى غير الله نعمته عليهم، ولم تكن لهم حال مرضية فيغيروها إلى حال مسخوطة؟.
قلت: كما تغير الحال المرضية إلى المسخوطة، تغير الحال المسخوطة إلى أسخط منها وأولئك كانوا قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم كفرة عبدة أصنام، فلما بعث إليهم بالآيات البينات فكذبوه وعادوه وتحزبوا عليه ساعين في إراقة دمه، غيروا حالهم إلى أسوأ مما كانت، فغير الله ما أنعم به عليهم من الإمهال وعاجلهم بالعذاب.
وقوله: وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ معطوف على قوله: بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً ..
إلخ.
أي: ذلك التعذيب بسبب جحودهم للنعم، وبسبب أنه - سبحانه - سميع لما نطقوا به من سوء، وعليم بما ارتكبوه من قبائح ومنكرات، وقد عاقبهم على ذلك بما يستحقون من عذاب: ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.
ثم ذكر - سبحانه - ما عليه المشركون من جحود وغرور وعناد على سبيل التأكيد والتوبيخ فقال: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ، وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ، وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ.
أي: أن شأن هؤلاء المشركين الذين حاربوك يا محمد، كشأن آل فرعون ومن تقدمهم من الأقوام السابقة، كقوم نوح وقوم هود .. ، كذب أولئك جميعا بآيات ربهم التي أوجدها - سبحانه - لهدايتهم وسعادتهم .. فكانت نتيجة ذلك أن أهلكهم - سبحانه - بسبب ما ارتكبوه من ذنوب، وبسبب استعمالهم النعم في غير ما خلقت له.
وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ الذين زينوا له الكفر والبطر والطغيان.