وأما ما ذكر من ضرب البنان: فهو في الحرب؛ لأنه في الحرب إنما يضرب فيما ظفر ووجد السبيل إلى ذلك، ففيه دلالة.
وتأويل قوله: (لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(68)
يحتمل أن يكون ملحقًا على ما سبق من قوله: (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ(5) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ...) الآية، أي: لولا أن من حكم اللَّه أن يجعل لكم الظفر على إحدى الطائفتين، وإلا لمسكم العذاب بمجادلتكم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ومخالفتكم إياه في الخروج وإرادتكم العير.
أو أن يقال: لولا أن من حكم اللَّه ألا يعذب أحدًا ولا يؤاخذه في الخطأ في العمل بالاجتهاد وإلا (لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) ، ويكون قوله: (أَخَذْتُمْ) أي: عملتم.
ثم قالت المعتزلة: في قوله: (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) دلالة على أن اللَّه لا يريد ما أراد العباد إذا أرادوا المعصية؛ لأنه أخبر أنهم أرادوا عرض الدنيا، وهو يريد الآخرة، فهم أرادوا المعصية، وهو يريد لهم الآخرة.
ولكن التأويل عندنا أن قوله: (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) ، أي: تريدون عرض الدنيا، واللَّه يريد حياة الآخرة وعرضها.
وبعد، فإنه قد كان اللَّه أراد لهم الآخرة وحياتها، وهم أرادوا العير وعرض الدنيا، وقد كان ما أراد اللَّه لهم لا ما أرادوا هم، أي: اختار لهم غير ما اختاروا هم.
وأصله أن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - أراد الآخرة لأهل بدر، فكان ما أراد، ولأُولَئِكَ الكفرة النار، فكان ما أراد؛ كقوله: (يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ) .