نقول: إن الحق سبحانه وتعالى حينما قال: {اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً} ثم قوله: {عَسَى الله أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي: رجاء أن يتوب عليهم ، وهذه مقدمات توبة وليست توبة ، فإن صاحبها الندم على ما مضى ، والإصرار على عدم العودة في المستقبل فيُنظر هل هذا كان منه مخافة أن يُفضح أم موافقة لمنهج الله؟
إن كان الأمر موافقة لمنهج الله فتكون التوبة مرجوَّة لهم .
وكلمة {خَلَطُواْ} تؤدي معنى جمع شيئين كانا متفرقين ، وجمع الشيئين أو الأشياء التي كانت متفرقة له صورتان ؛ الصورة الأولى: أن يجمعهم على هيئة الافتراق ، كأن تأتي بالأشياء التي لا تمتزج ببعضها مثل: الحمص واللب والفول ، وتخلط بعضها ببعض في وعاء واحد ، لكن يظل كل منها على هيئة الانفصال ، فأنت لم تدخل حبة اللب في حبة الحمص ، ولم يتكون منهما شيء واحد ؛ لأنه لو حدث هذا لصار مزيجاً لا خلطاً ، مثلما تخلط الشاي باللبن ؛ لأنك بعد أن تجمعهما يصيران شيئاً واحداً ، بحيث لا تستطيع أن تفصل هذا عن ذاك .
إذن: فهم حين خطلوا العمل الصالح والعمل السَّيِّئ ، لم يجعلوا من العمل الصالح والعمل السَّيِّئ مزيجاً واحداً .
لكن العمل الصالح ظل صالحاً ، والعمل الفاسد ظل فاسداً .
وقوله سبحانه: {عَسَى الله أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} كلمة {عَسَى} معناها الرجاء وهو ترجيح حصول الخير . وهو لون من توقع حصول شيء محبوب . والرجاء يخالف التمني ؛ لأن التمني هو أن تحب شيئاً وتتمنى أن يكون موجوداً ، لكنه لا يأتي أبداً ، مثل قول الشاعر:
ألا لَيْتَ الشَّبابَ يَعُودُ يَوْماً ... فَأخبِرُه بِمَا فعلَ المشِيبُ