ولما كان فيهم من الحمية ولطلب تسهيل المراد ، لكن أنت تعلم أن هذه الإباحة لم تستمر ، وكون المتبادر من قومه عليه الصلاة والسلام قريشاً مما لا أظن أن أحداً يمتري فيه ويليه في التبادر العرب.
وفي"البحر"أن سبب نزول الآية أن قريشاً قالوا: ما بال الكتب كلها أعجمية وهذا عربي؟ وهذا إن صح ظاهر في العموم ، ثم إنه لا يلزم من كون لغته لغة قريش أو العرب اختصاص بعثته صلى الله عليه وسلم بهم ، وإن زعمت طائفة من اليهود يقال لهم العيسوية اختصاص البعثة بالعرب لذلك ، وحكمة إنزاله بلغتهم أظهر من أن تخفى ، وقيل: الضمير في {قَوْمِهِ} لمحمد صلى الله عليه وسلم المعلوم من السياق فإنه كما أخرج ابن أبي عن سفيان الثوري لم ينزل وحي إلا بالعربية ثم ترجم كل نبي لقومه ، وقيل: كان يترجم ذلك جبريل عليه السلام ونسب إلى الكلبي ، وفيه أنه إذا لم يقع التبيين إلا بعد الترجمة فات الغرض مما ذكر ، وضمير {لَهُمْ} للقوم بلا خلاف وهم المبين لهم بالترجمة.
وفي"الكشاف"أن ذلك ليس بصحيح لأن ضمير {لَهُمْ} للقوم وهم العرب فيؤدي إلى أن الله تعالى أنزل التوراة مثلاً بالعربية ليبين للعرب وهو معنى فاسد.
وتكلف الطيبي دفع ذلك بأن الضمير راجع إلى كل قوم بدلالة السياق ، والجواب كما في"الكشف"أنه لا يدفع عن الإيهام على خلاف مقتضى المقام.
واحتج بعض الناس بهذه الآية على أن اللغات اصطلاحية لا توقيفية قال: لأن التوقيف لا يحصل إلا بإرسال الرسل ، وقد دلت الآية على أن إرسال كل من الرسل لا يكون إلا بلغة قومه وذلك يقتضي تقدم حصول اللغات على إرسال الرسول ، وإذا كان كذلك امتنع حصول تلك اللغات بالتوقيف فوجب حصولها بالاصطلاح انتهى.