24 -ولما شرح الله سبحانه وتعالى أحوال الأشقياء وأحوال السعداء .. ضرب مثلًا فيه حكم هذين القسمين، فقال جلّ وعلا: {أَلَمْ تَرَ} يا محمد وتنظر بعين قلبك، فتعلم علم يقين بإعلامي إياك، فعلى هذا يحتمل أن يكون الخطاب فيه للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، ويدخل معه غيره، ويحتمل أن يكون الخطاب لكل فرد من الناس، فيكون المعنى: ألم تر أيها الإنسان {كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً} ؛ أي: كيف جعل الله تعالى كلمة طيبة - وهي لا إله إلا الله - مثلًا.
وقيل: هي كل كلمة حسنة كالتسبيحة والتحميدة والاستغفار والتوبة والدعوة إلى الله قاله الزمخشري. وضرب هنا بمعنى جعل وصير، فهو متعد إلى اثنين {كَلِمَةً} المفعول الأول، وأخرت عن المفعول الثاني، وهو {مَثَلًا} لئلا تبعد عن صفتها، و {مَثَلًا} المفعول الثاني بمعنى جعلها مثلًا، وعلى هذا {كَشَجَرَةٍ} خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هي كشجرة طيبة كما قاله ابن عطية، وأجازه الزمخشري، و {كَيْفَ} منصوب على الحال من المفعول الثاني الذي هو {مَثَلًا} ، والتقدير: ألم تر ضرب الله مثلًا حالة كونه كيف؛ أي: حال كونه مسؤولًا عن حاله من غرابته. والاستفهام في {كَيْفَ} للتعجب، وفي {أَلَمْ تَرَ} للتقرير. والمثل عبارة عن قولٍ في شيء يشبه قولًا في شيء آخر بينما مشابهة لتبيين أحدهما من الآخر وتصويره، وقيل هو على قول سائر المفسرين تشبيه شيء بشيء آخر. اهـ."خازن". وهذا المعنى هو المراد هنا.
والمعنى: ألم تعلم يا محمد كيف جعل الله سبحانه وتعالى وصير كلمة طيبة مثلًا؛ أي: شبها لشيء آخر، وهي؛ أي: الكلمة الطيبة {كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ} في الإثمار وهي النخلة. وقرئ شاذًا: {كلمةٌ طيبةٌ} بالرفع قال أبو البقاء على الابتداء و {كَشَجَرَةٍ} خبره. انتهى، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف والتقدير: هو؛ أي: المثل كلمة طيبة، وكشجرةٍ نعت لكلمة ذكره في"البحر". وجملة قوله: {أَصْلُهَا ثَابِتٌ} مع ما عطف عليها صفة لـ {شَجَرَةٍ} ؛ أي: أسفلها ذاهب بعروقه في الأرض متمكن فيها. {وَفَرْعُهَا} ؛ أي: أعلاها ورأسها طالع ثابت {فِي السَّمَاءِ} ؛ أي: في الهواء