فلو سلمنا أن في هذه الآية متمسكاً للقائلين بالتحريم ، لكانت السنة المطهرة الثابتة رافعة لهذا الاحتمال ، ودافعة لهذا الاستدلال.
وقد أوضحنا هذه المسألة في مؤلفاتنا بما لا يحتاج الناظر فيه إلى غيره.
{وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أي: يخلق ما لا يحيط علمكم به من المخلوقات غير ما قد عدّده ها هنا.
وقيل: المراد: من أنواع الحشرات والهوامّ في أسافل الأرض ، وفي البحر مما لم يره البشر ولم يسمعوا به.
وقيل: هو ما أعدّ الله لعباده في الجنة وفي النار مما لم تره عين ، ولم تسمع به أذن ، ولا خطر على قلب بشر.
وقيل: هو خلق السوس في النبات ، والدود في الفواكه ؛ وقيل: عين تحت العرش ؛ وقيل نهر من النور.
وقيل: أرض بيضاء ، ولا وجه للاقتصار في تفسير هذه الآية على نوع من هذه الأنواع ، بل المراد أنه سبحانه يخلق ما لا يعلم به العباد ، فيشمل كل شيء لا يحيط علمهم به ، والتعبير هنا بلفظ المستقبل لاستحضار الصورة ، لأنه سبحانه قد خلق ما لا يعلم به العباد.
{وَعَلَى الله قَصْدُ السبيل} القصد: مصدر بمعنى الفاعل ، فالمعنى: وعلى الله قاصد السبيل ، أي: هداية قاصد الطريق المستقيم بموجب وعده المحتوم وتفضله الواسع ؛ وقيل: هو على حذف مضاف ، والتقدير: وعلى الله بيان قصد السبيل ، والسبيل: الإسلام ، وبيانه بإرسال الرسل وإقامة الحجج والبراهين.
والقصد في السبيل هو كونه موصلاً إلى المطلوب ، فالمعنى: وعلى الله بيان الطريق الموصل إلى المطلوب {وَمِنْهَا جَائِرٌ} الضمير في {منها} راجع إلى السبيل بمعنى: الطريق ، لأنها تذكر وتؤنث.
وقيل: راجع إليها بتقدير مضاف أي: ومن جنس السبيل جائر مائل عن الحق عادل عنه ، فلا يهتدي به ، ومنه قول امرئ القيس:
ومن الطريقة جائر وهدى... قصد السبيل ومنه ذو دخل