فَأَما قَوْله فِي الآية الثَّالِثَة {إِن فِي ذَلِك لآيَة لقوم يذكرُونَ} فَوحد الآية وخصها بِأَهْل التَّذَكُّر فَأَما توحيدها فكتوحيد الأولى سَوَاء فَإِن مَا ذَرأ فِي الأرض على اختلافه من الْجَوَاهِر والنبات والمعادن وَالْحَيَوَان كُله فِي مَحل وَاحِد، فَهُوَ نوع من أنواع آيَاته وَإِن تعدّدت أصنافه وأنواعه.
وأما تَخْصِيصه إياها بِأَهْل التَّذَكُّر فطريقة الْقُرْآن فِي ذَلِك أن يَجْعَل آيَاته للتبصر والتذكر كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة ق {وَالْأَرْض مددناها وألقينا فِيهَا رواسي وأنبتنا فِيهَا من كل زوج بهيج تبصرة وذكرى لكل عبد منيب}
فالتبصرة التعقل والتذكرة التَّذَكُّر والفكر بَاب ذَلِك ومدخله فَإِذا فكر تبصر، وَإِذا تبصر تذكر، فجَاء التَّذْكِير فِي الآية لترتيبه على الْعقل الْمُرَتّب على الْفِكر فَقدم الْفِكر إِذْ هُوَ الْبَاب والمدخل، ووسط الْعقل إِذْ هُوَ ثَمَرَة الْفِكر ونتيجته، وَأخر التَّذَكُّر إِذْ هُوَ الْمَطْلُوب من الْفِكر وَالْعقل فَتَأمل ذَلِك حق التَّأَمُّل.
فَإِن قلت فَمَا الْفرق بَين التَّذَكُّر والتفكر؟ فَإِذا تبين الْفرق ظَهرت الْفَائِدَة؟
قلت التفكر والتذكر أصل الْهدى والفلاح وهما قطبا السَّعَادَة، وَلِهَذَا وسعنا الْكَلَام فِي التفكر فِي هَذَا الْوَجْه لعظم الْمَنْفَعَة وَشدَّة الْحَاجة إليه قَالَ الْحسن مَا زَالَ أهل الْعلم يعودون بالتذكر على التفكر، وبالتفكر على التَّذَكُّر ويناطقون الْقُلُوب حَتَّى نطقت فَإِذا لَهَا أسماع وأبصار