فهرس الكتاب
ولذلك كل مَنْ سُئِل في هذه المسألة: كم لبثتم؟ قالوا: يوماً أو بعض يوم ، فهذا هو المعتاد المتعارف عليه بين الناس ، ذلك لأن الشعور بالزمن فرع مراقبة الأحداث ، والنوم والموت لا أحداثَ فيها ، فكيف - إذن - سنراقب الأحداث والملَكة الواعية مفقودة؟
وقد قال تعالى في آية أخرى: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} [النازعات: 46]
وقال: {قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعَآدِّينَ} [المؤمنون: 112 - 113]
أي: لم يكُنْ لدينا وَعْيٌ لنعُدّ الأيام ، فاسأل العَادّين الذين يستطيعون العدَّ.
وفي قصة العزيز الذي أماته الله مائة عام ، ثم بعثه: {قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ..} [البقرة: 259] على مُقْتضى العادة التي أَلفَها في نومه ، فيُوضِّح له ربه: {بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ} [البقرة: 259]
فالمدّة في نظر العزيز كانت يوماً أو بعض يوم ، والحق سبحانه أخبر أنها مائة عام ، فالبَوْنُ شاسع بينهما ، ومع ذلك فالقوْلاَن صادقان. والحق سبحانه أعطانا الدليل على ذلك ، فقد بعث العُزَيز من موته ، فوجد حماره عظاماً بالية يصدُق عليها القول بمائة عام ، ونظر إلى طعامه وشرابه فوجده كما هو لم يتغير ، وكأنّ العهدَ به يوم أو بعض يوم ، ولو مَرّ على الطعام مائة عام لتغيَّر بل لتحلَّل ولم يَبْقَ له أثر.