وهذا المعنى الذي دّلت عليه هذه الآية الكريمة من اقتضاء الأمر المطلق الوجوب دلّت عليه آيات أخر من كتاب الله كقوله تعالى: {وَإذَا قِيلَ لَهُمُ اركعوا لاَ يَرْكَعُونَ} [المرسلات: 48] فإن قوله: {اركعوا} أمر مُطلقن وذمّه تعالى للذين لم يتمثلوه بقوله: {لاَ يَرْكَعُونَ} يدل على أن امتثاله واجب. وكقوله تعالى لإبليس {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} [الأعراف: 12] فإنكاره تعالى على إبليس موبِّخاً بقوله: {مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} يدلّ على أنه تارك واجباً. وأنَّ امتثال الأمر واجب مع أنّ الأمر المذكور مطلق ، وهو قوله تعالى: {اسجدوا لآدَمَ} [البقرة: 34] و [الأعراف: 11] و [الإسراء: 61] و [الكهف: 50] و [طه: 116] وكقوله تعالى عن موسى {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} [طه: 93] فسمى مخالفة الأمر معصية ، وأمره المذكور مطلق ، وهو قوله: {اخلفني فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ المفسدين} [الأعراف: 142] وكقوله تعالى: {لاَّ يَعْصُونَ الله مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6] وإطلاق اسم المعصية على مخالفة الأمر يدل على أن مخالفة عاص ، ولا يكون عاصياً إلا بترك واجب ، أو ارتكاب محرَّم. وكقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخيرة مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36] فإنّه يدل على أن أمر الله ، وأمر رسوله مانع من الاختيار موجب للامتثال ، وذلك يدل على اقتضائه الوجوب كما ترى. وأشار إلى أنّ مخالفته معصية بقوله بعده: {وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِيناً} [الأحزاب: 36] .