فهرس الكتاب
أي: هؤلاء الجاحدون الحاقدون لم يقطعوا برأى في شأنك - أيها الرسول الكريم - وفي شأن ما جئتهم به، ولم يستندوا في أقوالهم إلى دليل أو ما يشبه الدليل، وإنما هم في شك من هذا القرآن الذي أيدناك به، بدليل أنك تراهم يصفونك تارة بالسحر، وتارة بالكهانة، وتارة بالشعر، ولو عقلوا وأنصفوا لآمنوا بك وصدقوك.
وقوله - سبحانه -: بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ إضراب عن مجموع الكلامين السابقين المشتملين على الحسد والشك.
أي: لا تحزن - أيها الرسول الكريم - من مسالكهم الخبيثة، وأقوالهم الفاسدة. فإنهم ما فعلوا ذلك إلا لأنهم لم يذوقوا عذابي بعد، فإذا ذا قوة زال حسدهم وشكهم، وتيقنوا بأنك على الحق المبين، وهم على الباطل الذي لا يحوم حوله حق.
وفي التعبير بقوله لَمَّا إشارة إلى أن نزول العذاب بهم وتذوقهم له، قريب الحصول.
ثم أنكر عليهم - سبحانه - بعد ذلك اعتراضهم على اختيار نبيه صلّى الله عليه وسلم للرسالة، وساق هذا الإنكار بأسلوب توبيخي تهكمى فقال - تعالى -: أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ
الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ. أي: أنهم لم يملكوا خزائن رحمة ربك - أيها الرسول الكريم - حتى يعطوا منها من يشاءون ويمنعوها عمن يشاءون، ويتخيروا للنبوة صناديدهم ويترفعوا بها عنك .. وإنما المالك لكل ذلك هو الله - تعالى - العزيز الذي لا يغلبه غالب - الوهاب، أي: الكثير العطاء لعباده.
والمراد بالعندية في قوله عِنْدَهُمْ: الملك والتصرف. وتقديم الظرف «عند» لأنه محل الإنكار. وفي إضافة الرب - عز وجل - إلى الضمير العائد إلى النبي صلّى الله عليه وسلم تشريف وتكريم له صلّى الله عليه وسلم وجيء بصفة «العزيز» للرد على ما كانوا يزعمونه لأنفسهم وآلهتهم من ترفع وتكبر.
كما جيء بصفة «الوهاب» للإشارة إلى أن النبوة هبة من الله - تعالى - لمن يختاره من عباده، وهو - سبحانه - أعلم حيث يجعل رسالته.