{قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * قَالَ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً * فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلاَماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً} [الكهف: 72 - 74] يعني: منكراً.
نعم موسى لم يستطع أن يصبر وهو يرى هذا الفعل العجيب المنكر في نظره
{قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً * فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً} [الكهف: 75 - 77] .
وكانت هذه هي الثالثة، وتحقق الشرط الذي قطعه موسى على نفسه، فقرر العبد الصالح مفارقته، لكن قبل أن يفترقا قال له: تعالَ أوضح لك ما لم يحتمله صبرك في هذه الأحداث:
{قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً * أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً} [الكهف: 78 - 79] أي: يأخذ كل سفينة صالحة.
ولا شكَّ أن خرق السفينة مصيبة لأصحابها في ظاهر الأمر، لكن لله تعالى فيها حكمة، حيث كان وراء هؤلاء المساكين ملك ظالم يأخذ كل سفينة جيدة ويغتصبها، فأردتُ أنْ أُحدِثَ بها عيباً حتى لا يأخذها.
إذن: فنحن هنا لا نقارن بين سفينة مخروقة وسفينة صالحة، إنما بين سفينة مخروقة وعدم وجود سفينة أصلاً، فخرْق السفينة أهونُ بالنسبة لأصحابها من أخذها كلية، ثم بإمكانهم أنْ يُصلحوها بعد ذلك، المهم أنْ تسلم لهم من هذا الملك.
{وَأَمَّا الْغُلاَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً * فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً} [الكهف: 80 - 81] ففي علم الله تعالى أنه سيكون ولداً عاقاً يُحدث فتنة لأبويه، كما قال سبحانه: