قال أبو بكر بن العربي في"الأحكام": روى ابن القاسم وابن وهب عن مالك وسئل عن قول سعيد بن المسيّب: لا أحلّل أحداً ، فقال: ذلك يختلف.
فقلت: الرجل يسلف الرجل فيهلِكُ ولا وفاء له قال: أرى أن يحلله ، وهو أفضل عندي لقول الله تعالى:
{الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه} [الزمر: 18] ، وإن كان له فضل يُتبع فقيل له: الرجل يظلم الرجل ، فقال: لا أرى ذلك ، وهو عندي مخالف للأول لقول الله تعالى: {إنما السبيل على الذين يظلمون الناس} [الشورى: 42] ، ويقول تعالى: {ما على المحسنين من سبيل} [التوبة: 91] فلا أرى أن تجعله من ظلمه في حلّ.
قال ابن العربي فصار في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها: لا يحلّله بحال قاله ابن المسيّب.
والثاني: يحلّله ، قاله ابن سيرين ، زاد القرطبي وسليمان بن يسار ، الثالث: إن كان مالاً حلّله وإن كان ظلماً لم يحلّله وهو قول مالك.
وجه الأول: أن لا يُحلّ ما حرم الله فيكون كالتبديل لحكم الله.
ووجه الثاني: أنه حقه فله أن يسقطه.
ووجه الثالث: أن الرجل إذا غُلِب على حقكَ فمن الرفق به أن تحلله ، وإن كان ظالماً فمن الحق أن لا تتركه لئلا يغْتَرّ الظَّلَمة ويسترسلوا في أفعالهم القبيحة.
وذكَر حديث مسلم عن عُبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال: خرجت أنا وأبي لطلب العلم في هذا الحيّ من الأنصار قبْل أن يهلكوا فكان أول من لقينا أبو اليسر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له أبي: أرى في وجهك سنعة من غضب فقال: أجَل كان لي على فلان دين ، فأتيت أهله وقلت: أثَمّ هو؟ قالوا: لا فخرج ابن له فقلت له: أين أبوك؟ فقال سمع صوتك فدخل أريكة أمي.
فقلتُ: اخرجْ إليَّ ، فخرج.
فقلت: ما حملك على أن اختبأت مني؟ قال: خشيت والله أن أحدثك فأكذبك وأنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنتُ والله معسراً.