أخرج أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «المستبّان ما قالا من شيء، فعلى البادي حتى يعتدي المظلوم» ثم قرأ:
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها.
ثم إن الله تعالى لم يرغب دائما في الانتصار، بل بيّن أنه مشروع فقط، ثم بيّن بعده أن مشروعيته مشروطة برعاية المماثلة، ثم أبان أن العفو أولى بقوله:
فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ.
وشرط الله تعالى المماثلة بين الجناية والعقوبة في قوله تعالى:
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها أي إن عقاب السيئة عقاب مماثل للجرم، وإن العدل في الانتصار هو الاقتصار على المساواة، فإذا قال المسيء: أخزاك
الله، يقول: أخزاك الله، من غير أن يعتدي. وسمى جزاء السيئة سيئة، لأنها تسوء من تنزل به.
ونظير الآية قوله تعالى: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ [البقرة 2/ 194] وقوله سبحانه: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ [النحل 16/ 126] وقوله عز وجل: وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها [الأنعام 6/ 160] .
وهكذا فإن جميع العقوبات المدنية والجنائية في الإسلام تجب فيها المماثلة، فالقصاص مثلا من القاتل عمدا أو في الجروح واجب بقوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ [البقرة 2/ 194] وقوله عز وجل: وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ [البقرة 2/ 194] وقوله سبحانه: وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ [المائدة 5/ 45] لكن رغّب تعالى بالعفو في آخر الآية الأخيرة، فقال: فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وهنا قال:
فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ أي من عفا عن الظالم المسيء، وأصلح بالود والعفو ما بينه وبين معاديه، فثوابه على الله، يعطيه جزاء أعظم، كما
قال صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه أحمد ومسلم والترمذي عن أبي هريرة: «وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا» .