وإنما حمدوا على الانتصار لأن من انتصر وأخذ حقه ولم يجاوز في ذلك حد الله فلم يسرف في القتل إن كان ولي دم فهو مطيع لله وكل مطيع محمود.
ثم بين حد الانتصار فقال {وجزاؤا سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} فالأولى سيئة حقيقة والثانية لا.
وإنما سميت لأنها مجازاة السوء ، أو لأنها تسوء من تنزل به ، ولأنه لو لم تكن الأولى لكانت الثانية سيئة لأنها إضرار ، وإنما صارت حسنة لغيرها ، أو في تسمية الثانية سيئة إشارة إلى أن العفو مندوب إليه.
والمعنى أنه يجب إذا قوبلت الإساءة أن تقابل بمثلها من غير زيادة {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ} بينه وبين خصمه بالعفو والإغضاء {فَأَجْرُهُ عَلَى الله} عدة مبهمة لا يقاس أمرها في العظم {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظالمين} الذين يبدءون بالظلم أو الذين يجاوزون حد الانتصار.
في الحديث:"ينادي منادٍ يوم القيامة من كان له أجر على الله فليقم فلا يقوم إلا من عفا" {وَلَمَنِ انتصر بَعْدَ ظُلْمِهِ} أي أخذ حقه بعدما ظلم على إضافة المصدر إلى المفعول {فَأُوْلَئِكَ} إشارة إلى معنى من دون لفظه {مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ} للمعاقب ولا للمعاتب والمعايب {إِنَّمَا السبيل عَلَى الذين يَظْلِمُونَ الناس} يبتدئونهم بالظلم {وَيَبْغُونَ فِى الأرض} يتكبرون فيها ويعلون ويفسدون {بِغَيْرِ الحق أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} وفسر السبيل بالتبعة والحجة {وَلَمَن صَبَرَ} على الظلم والأذى {وَغَفَرَ} ولم ينتصر {إِنَّ ذلك} أي الصبر والغفران منه {لَمِنْ عَزْمِ الأمور} أي من الأمور التي ندب إليها أو مما ينبغي أن يوجبه العاقل على نفسه ولا يترخص في تركه.