والظالمون كانوا طغاة بغاة ، فناسب أن يكون الذل هو مظهرهم البارز في يوم الجزاء. إنهم يرون العذاب ، فتتهاوى كبرياؤهم. ويتساءلون في انكسار: {هل إلى مرد من سبيل؟} في هذه الصيغة الموحية باليأس مع اللهفة ، والانهيار مع التطلع إلى أي بارقة للخلاص! وهم يعرضون على النار {خاشعين} لا من التقوى ولا من الحياء ، لكن من الذل والهوان! وهم يعرضون منكسي الأبصار ، لا يرفعون أعينهم من الذل والعار: {ينظرون من طرف خفي} .. وهي صورة شاخصة ذليلة.
وفي هذا الوقت يبدو أن الذين آمنوا هم سادة الموقف ؛ فهم ينطقون ويقررون: {وقال الذين آمنوا: إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة} .. وهم هؤلاء الذين خسروا كل شيء ، والذين يقفون خاشعين من الذل يقولون: هل إلى مرد من سبيل؟
ويجيء التعليق العام على المشهد بياناً لمآل هؤلاء المعروضين على النار:
{ألا إن الظالمين في عذاب مقيم. وما كان لهم من أولياء ينصرونهم من دون الله. ومن يضلل الله فما له من سبيل} ..
فقد عدم النصير ، وقد أغلق السبيل.
وفي ظل هذا المشهد يوجه الخطاب إلى المعاندين المكابرين ، ليستجيبوا لربهم قبل أن يفجأهم مثل هذا المصير فلا يجدوا لهم ملجأ يقيهم ، ولا نصيراً ينكر مصيرهم الأليم ، ويوجه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى التخلي عنهم إذا هم أعرضوا فلم يستجيبوا لهذا النذير ؛ فما عليه إلا البلاغ ، وما هو مكلف بهم ولا كفيل:
{استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله ، ما لكم من ملجأ يومئذ وما لكم من نكير. فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً إن عليك إلا البلاغ} ..
ثم يكشف عن طبيعة هذا الإنسان الذي يعارض ويعاند ، ويعرض نفسه للأذى والعذاب ، وهو لا يحتمل في نفسه الأذى ؛ وهو رقيق الاحتمال ، يستطار بالنعمة ، ويجزع من الشدة ، ويتجاوز حده فيكفر من الضيق: