2-وصنف من الشيعة يقر بالبداء كعقيدة ويحاول أن يجد له تأويلًا مقبولًا. فابن بابويه القمي يوجه أحاديثهم في البداء توجيهًا تبدو عليه ملامح الاضطراب، فهو في البداية يقول:"ليس البداء كما يظنه جهال الناس بأنه بداء ندامة -تعالى الله عن ذلك- ولكن يجب علينا أن نقر لله عز وجل بأن له البداء معناه أن له أن يبدأ بشيء من خلقه فيخلقه قبل شيء ثم يعدم ذلك الشيء ويبدأ بخلق غيره" (15) .
فأنت ترى أن حديثه هنا خارج الموضوع تمامًا؛ لأنه تكلم عن البدء لا البداء، ولكنه رجع وفسر البداء بالنسخ، فقال بعد الكلام السابق مباشرة:"أو يأمر بأمر ثم ينهى عنه، وذلك مثل نسخ الشرائع، وتحويل القبلة".
وهذا جهل أو تجاهل، إذ لا بداء في النسخ، والحكم كان مؤقتًا في علم الله وأجل الحكم، وانتهاء الحكم عند حلول الأجل معلوم لله قبل الحكم. نعم بدا لنا ذلك من الله بعد نزول الناسخ، والبداء لنا في علمنا لا لله.
ثم إن ابن بابويه في نهاية توجيهه لعقيدة البداء عاد إلى القول بأن البداء:"إنما هو ظهور أمر، بقول العرب بدا لي شخص في طريقي -أي: ظهر- قال الله عز وجل: (( وَبَدَا لَهُمْ مِنَ الله مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ) ) [الزمر:47] أي: ظهر لهم، ومن ظهر لله تعالى ذكره من عبد صلة لرحمه زاد في عمره" (16) .
فهذا عودة منه لتقرير ذلك المنكر في معتقدهم في البداء، بعد تلون وتقلب.
وزيادة عمر من وصل رحمه ليست من باب البداء، وظهور ما لم يكن في علم الله، بل صلة الرحم سبب لطول العمر، والله قد قدر الأجل وسببه إلى هذه الغاية، ولولا ذلك السبب لم يصل إلى هذه الغاية ولكن قدر الله هذا السبب وقضاه، وكذا قدر أن هذا يقطع رحمه فيعيش إلى كذا.