الصفحة 11 من 28

وقد بيّن الله سبحانه وتعالى أن الإشراك مع الله جل وعلا غيره أعظم الظلم، قال الله سبحانه وتعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82] ، لما نزلت هذه الآية شق على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيحين وغيرهما قالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فجاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث عبد الله بن مسعود، فقال عليه الصلاة والسلام: (إنه ليس كما تظنون، إن الظلم هو الشرك، أولم تسمعوا لقول العبد الصالح لابنه: يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13] ؟) . وإنما سمى الله جل وعلا الشرك ظلمًا مع كون الذي يتبادر إلى أذهان الناس أن الظلم هو التعدي على حقوق الآخرين، من جهة الأموال والأعراض والدماء، ولكن الله سبحانه وتعالى بيّن أن أعظم ظلم تقع فيه البشرية هو ظلم العقائد والأفكار، وذلك أن الله سبحانه وتعالى قد خلق القلوب والضمائر والأنفس، وأوجب أن تتوجه إليه عابدة خاضعة متوسلة متضرعة متوكلة مستكينة، ترجو الله سبحانه وتعالى، وتخافه جل وعلا فيما تأتي وتذر، فإذا انصرفت لغيره فإنها ظالمة، ولهذا كان الظلم الباطن في نفس الإنسان أعظم الظلم، وعليه مدار الولاء، وعليه مدار البراء.

وقد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الأمر في أصحابه، فتوالوا على اختلاف أجناسهم وأعراقهم ولغتهم فكانوا أمة واحدة؛ لأن الحبل الذي تمسكوا به هو حبل الله المتين؛ قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103] ، فسمى الله جل وعلا الإسلام والعقيدة والتوحيد حبل الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت