والله سبحانه وتعالى خاطب القلوب والعقول قبل أن يخاطب الأبدان والجوارح، وذلك أن الإنسان قد يمتثل من غير اعتقاد، كما يخاطب الإنسان ولو كان منزوع العقل كالسفيه والمجنون وناقص الأهلية يخاطب بشيء من الأوامر فيمتثل فورًا، ولكنه لا يملك القياس لكي يلحق أسباب ذلك الأمر بكل أصل له إذا اقترن معه مرة أخرى أن يؤدي ذلك الفعل وذلك القول؛ لأنه لا يملك أصلًا، وإنما يحتاج معه إلى المبادرة أن يؤمر عند كل سبب يقتضيه، فهذا يمتثله إذا لم يكن لديه أصل، وأما أولو الألباب فلا بد لهم من أصول يتكئون عليها، فاختلفوا وافترقوا عمن نزع الله جل وعلا عنه العقل وأهلية الخطاب.
وقد جاءت الشريعة بتصحيح البواطن كما جاءت بتصحيح الظواهر، ولهذا كثير من الدعوات التي يدعون فيها إلى الموافقة ظاهرًا مع عدم الموافقة باطنًا، فهؤلاء دعوتهم لا تليق بدعوة أهل العقل، وذلك أن هؤلاء قد يتغيرون في أي زمن وفي أي لحظة عند أي سبب يصرفهم إلى هوى أو إلى شبهة أو إلى شهوة يحتاجون إليها؛ لأن غراس الأصل معدوم، فينصرفون إلى أفعال تشبع أهواءهم.
والمجتمعات التي لا تتكئ على عقيدة صافية، وعلى توحيد لله سبحانه وتعالى تتكئ على شيء من حظوظ الدنيا إن أعطوا منها رضوا، وإن لم يعطوا منها سخطوا. وفي المجتمعات المادية، أو المجتمعات التي تدين بالولاء لغير خالق، إما لعرق أو لتربة أو لمال، أو غير ذلك، فإنهم يدورون مع ذلك الحظ بقي أو زال. وأما الخالق سبحانه وتعالى فهو وحده جل وعلا له أهلية انصراف العبادة له جل وعلا فهي ثابتة لا تزول، ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره الله جل وعلا أن يدعو الناس إلى التوحيد، ولا يدعوهم عليه الصلاة والسلام إلى شيء من الأقوال والأفعال مجردة، وذلك أن الأقوال والأفعال إذا لم تتكئ على التوحيد فإنها تزول.