النوع الثاني: ظلم الإنسان لغيره، وظلم الإنسان لغيره على عدة أنواع: ظلم في الأموال وهو أولها، وظلم في الأعراض وهو ثانيها، وظلم في الدماء وهو ثالثها، وهي على ثلاثة أنواع لا تخرج عنها، ومنهم من يخرج شيئًا آخر وهو ظلم العقول، وظلم العقول وحفظها وإن كان من الضروريات الخمس التي صانها الشارع، فإنها موزعة بين الثلاثة هذه وبين النوع الأول، وهو ظلم الإنسان لنفسه بالإشراك مع الله جل وعلا غيره. إن الظلم هو ما يسود في البشرية فيه الفساد، وينتشر فيه الأمر، ولهذا جاء انتظام الظلم على هذه المراتب.
أما ظلم الإنسان لنفسه بالإشراك مع الله عز وجل غيره، وهو أول الطريق، فإن دخل الإنسان فيه، فإنه يتعدى على الباقي بحسب اختلاف غيره معه في هذا النوع، وإن صححه فإنه يسلم للبشرية جمعاء ذلك الأمر، ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قاتل اليهود والنصارى لكي يدخلوا في الإسلام، وإنما قاتلهم لتقوية الإسلام من سطوتهم، فلا تكون لهم مكانة على الإسلام، ولهذا قبل لهم أن يعيشوا تحت ظل الإسلام مع إعطاء الجزية فتحفظ لهم حياتهم، ويحفظ لهم الأمن، ويحفظ لهم العرض، وتصان لهم الدماء، وذلك حتى يكونوا تحت الإسلام لا فوقه، وفي هذا إشارة إلى أن مقاتلة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأعداء الملة والدين مع كونها مقاتلة للإسلام، إلا أن المراد بذلك هو حفظ إسلام المسلمين لا أن يدخلوا على سبيل الإسلام بأعيانهم، وهذا ظاهر في قول الله جل وعلا: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة:29] ، وما قال جل وعلا: حتى يدخلوا في الإسلام، وهذا من جهة الدخول في الإسلام موجه إلى الوثنيين.