إن دعوة التوحيد بحاجة إلى جماعة تدعو إليه، ودعوة الفرد يكتنفها شيء من المخاطر والصعوبة، ولا يعرف على مر العصور وعلى مر البشرية أن المجتمعات قد وقعت في الشرك كلها، ودعاها واحد إلى التوحيد وأجابته إلا أن يكون ذلك الواحد نبيًا مؤيدًا ومنصورًا من الله جل وعلا، وقد جعل الله النصرة لذلك الفرد كما في قوله جل وعلا: إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ [التوبة:40] ، فالنصرة لهؤلاء الأفراد الأنبياء تختلف عن النصرة لغيرهم، وأما الدين والإعانة عليه فإنه لا يمكن أن يكون لغير الأنبياء إلا بالجماعة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح وغيره: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق) ، فجعل الظاهرين على الحق جماعة، وما جعلهم فردًا واحدًا، وهذا أمر معلوم، والحديث عنه والدلالة عليه من الكتاب والسنة مما يطول جدًا، وإنما نتكلم هنا عن نقيض ذلك الحق أي التوحيد، وهو الإشراك مع الله جل وعلا غيره.
في قوله سبحانه وتعالى: يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ [لقمان:13] على لسان العبد الصالح لابنه: يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13] ، إن الإشراك مع الله سبحانه وتعالى غيره أعظم ظلم تقع فيه البشرية، وهذا التفسير للظلم في الآية السابقة فيه معانٍ متعددة، أولها ما يتعلق بمعنى الظلم، وحقيقته، وكذلك أنواعه.