إن التأصيل لمسألة العقائد والمبادئ أمر يتكلم فيه أهل النظر، وأهل العقل من سائر الفلاسفة في سائر العصور والبلدان من فلاسفة الهند واليونان والرومان، وسائر أهل العقل حتى من الجاهلية المظلمة، وحتى من أرباب الإلحاد الذين لا يؤمنون ظاهرًا بخالق، وإن آمنوا بنزعة فطرية إلى وجود خالق يميلون إليه عند نزول ضر أو كرب فيهم، يؤصلون إلى أهمية المبادئ، وأهمية ضبط القوانين البشرية ودساتيرها التي ينصرفون وينزعون منها، ويصدرون عنها بتأصيل حياة الناس ظاهرًا وباطنًا، حاليًا أو مستقبلًا، وهذا فيه إشارة إلى السنة الكونية التي أراد الله جل وعلا أن تنضبط فيها حياة البشر، وذلك أن البشر لا يمكن أن ينضبطوا إلا بالإيمان بضعفهم.
والله سبحانه وتعالى قد بيّن أن الناس لا يمكن أن تستقر أحوالهم إلا مع انضباط المعلوم لديهم، ولهذا قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85] ، فالعلم القليل هو الذي تنضبط به البشرية، والقلة نسبية تتباين من جهة الإدراك من فرد إلى غيره، فالله جل وعلا قد أنزل الوحي على البشر، وجعله على سبيل الاقتصاد، يعني: أنه لا يغلب على أفعال الناس وأقوالهم، فينقلب الناس من عبودية تمتزج بشيء من أعمال الدنيا إلى رهبانية ينقطع معها الناس. وإنما ضبط الله جل وعلا العبادة، وحرم الزيادة عليها بحيث لو أن الإنسان أراد أن يزيد في العبادة لم يجد وابتدع، فحد الله جل وعلا الأقوال والأعمال بحدود الإحداث والإبداع، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) ، وقال عليه الصلاة والسلام: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) .