وقد جاءت الشريعة بتأصيل الولاء والبراء على أمر العقائد ونبذ ما سواه؛ لأنه لو أرادت البشرية أن تجتمع على غيره فإن هذا من الأمور المحالة، والشريعة تأتي مواكبة لأمر الفطرة، وسنن الكون لا يمكن أن تخالفه بحال، وإن استقرت أمور البشر على نمط معين أو أمر السلامة إذا اجتمعت على عرق أو اجتمعت على مادة ونحو ذلك، فإن هذا سرعان ما تتحول عنه، متى ما تحول ذلك المبدأ الذي تحولوا عنه، أو ربما يجتمعون كما يجتمع الغرب الآن على مبدأ المادة أو الرأسمالية، أو مبدأ الحريات، أو مبدأ من النظريات المادية في الأفكار أو نحو ذلك، ولكن هذا لا يعني سلامة العرق البشري بكامله، ولهذا يظهر الظلم منهم لغيرهم بقتل كثير من الأنفس، واستباحة الأعراض ونحو ذلك، ولا سلامة للبشرية أن تجتمع إلا على اتحاد عقيدة، وسلامة باطل، فإن هذا هو الذي يصدرون عنه على حد سواء في وفاق تام.
إن الظلم إذا أراد الإنسان أن ينظر إليه بجميع أقسامه في الشرع يجد أنه على نوعين:
النوع الأول: هو ظلم الإنسان لنفسه، وأعلى هذا النوع هو ظلم الإنسان لنفسه بالإشراك مع الله جل وعلا غيره، وقد ذكره الله سبحانه وتعالى في أعلى الظلم. ويلي ذلك ظلم الإنسان لنفسه بالذنوب والمعاصي القاصرة عليه التي لا يشاركه في ذلك غيره من البشر، فهذا ظلم للإنسان في نفسه، كتقصير الإنسان ببعض الأعمال الواجبة، تقصيره في الصلاة، في شهود الجماعة، أو تقصيره في الصيام، أو وقوعه في شيء من المعاصي اللازمة عليه كشرب الخمر، أو الغيبة أو النميمة، أو غير ذلك من المحرمات اللازمة، وهذا من ظلم الإنسان لنفسه.