والإنسان إذا وضع لديه أو بين يديه دساتير ممتدة من أجزاء أو مصنفات أو أفكار فإن هذه الأفكار تحتاج إلى عمل، وإذا ضاق عمر الإنسان عنها أخذها على سبيل السرعة والعجل، فاتخذها على سبيل الارتجال، والعلوم إذا أخذها الإنسان على سبيل الارتجال أضرت به ولم تنفعه؛ لهذا جاءت الشريعة على سبيل الإجمال في العقائد، وأمر الله جل وعلا الإنسان أن يؤمن بالخالق وأحقيته بالعبادة، وكذلك ضعف الإنسان أن يسلم أنه بحاجة إلى معبود يعبده، وبحاجة إلى مغيث ينصره عند وجود الملمة في هذه الأرض، فانقسم الناس في ذلك على أطياف متنوعة بطلب الخالق جل وعلا، منهم من ضل بفكره، ومنهم من دله عقله بتوفيق من الله جل وعلا إلى شيء من قبس الوحي، فاهتدى بالعقل إلى شيء من أهداب الشرع فتمسك بها، فدلته إلى نور الوحي، فكان الوحي دالًا في المآل، والعقل دالًا له من جهة الابتداء.
ورسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم قد اختصر الطريق على البشرية، فدل الناس إلى توحيد الله بنص الوحي، فلا أعلم من أحد منه بنفسه، والله جل وعلا قد دل البشرية إليه، وبيّن حقه سبحانه وتعالى في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وإفراده جل وعلا في هذه الأبواب، وأنه لا يشاركه جل وعلا أحد من خلقه في هذا الباب، ولهذا قال الله جل وعلا: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11] .