الصفحة 23 من 28

وفي هذا بيان لعظم الظلم المتعدي، ولهذا نستطيع أن نقول: إن الظلم على نوعين: ظلم متعدٍ، وظلم لازم، والظلم المتعدي عظيم من وجه أنه يفتك بالإنسان، وأعظمها وبالًا عليه، وضررًا في نفسه، وإهدارًا لعاقبته، وفسادًا لآخرته، وجاء في الصحيح من حديث أبي ذر عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال لأصحابه: (ما تعدون المفلس فيكم؟ قالوا: المفلس فينا من لا دينار له ولا متاع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المفلس من يأتي يوم القيامة بأعمال كالجبال، ويأتي وقد لطم هذا وضرب هذا وأخذ مال هذا، فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن لم يكن لديه حسنات أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار) ، فيه إشارة إلى أن الوهم في حق المظالم أنها تكفر بالتوبة والاستغفار، أو بالحسنات التي تمحو السيئات يطرأ حتى على بعض الصالحين وأهل الديانة وخير القرون، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يصحح ذلك الوهم، وأن هذا من الخطأ، فإن مظالم الغير يجب عليها أن تعود لأصحابها.

أما الظلم اللازم للإنسان فإنه يكفي من ذلك الإقرار بالخطأ، فإن هذا كافٍ لسلوك طريق الحق، فإن الإنسان إذا شرب الخمر، أو فرط في الواجبات، فبمجرد استغفاره يتوب الله جل وعلا عنه إن صدق ظاهرًا وباطنًا، وكذلك الإنسان إن فرط في شيء من الواجبات كالصلاة والصيام وغير ذلك، فإن عاد إلى الجادة وتاب من الذنب تاب الله جل وعلا عليه، وهذا ظاهر في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن العاص كما في صحيح الإمام مسلم قال: (الإسلام يهدم ما قبله، والهجرة تهدم ما قبلها) ، وهذا فيه إشارة إلى أن الإنسان إن تاب تاب الله جل وعلا عليه في الذنب اللازم منه. وأما بالنسبة للمتعدي فلا بد من الوفاء وإعادة الحق لصاحبه، وهذا فيه إشارة إلى عظم التوحيد وعظم الإشراك أيضًا مع الله جل وعلا غيره، وأيضًا عظم الحقوق التي تكون بين العباد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت