فهرس الكتاب
إن أول الطريق ... الطريق إلى التمكين في الدنيا والطريق إلى الجنة في الآخرة هو أن يدرك الفرد المسلم ... الفرد العادي ... وليس الزعماء والنشطاء ... مدى مسؤوليته هو بذاته أمام الله عز وجل عن انتكاسة هذه الأمة ... ومدى مسئوليته عن رفعتها ... مفهوم فاسد أدى إلى انتكاسة هذه الأمة:
إن المفهوم السائد الآن ـ خطأ شائعًا ـ أن الدين علاقة بين العبد وربه، وأن مسئولية الفرد هي عن نفسه فقط، وأنه غير مسئول مسئولية اجتماعية أو تضامنية مع المسلمين الآخرين، وعليه أن يبحث عن رزقه في أي مكان يجده ويعبد الله بالصلاة والصيام والحج منعزلًا عن كل ما يحيط به، وبمعزل عن كل ما يعج به العالم من أحداث، وألا يتمعر وجهه لله تعالى قط، رغم هول ما يحدث فالشأن ليس شأنه هو ... بل شأن الزعماء والرؤساء والنشطاء ... فهل الأمر كذلك؟.
نقول: لا.
إن هذا المفهوم السائد الشائع هو أقصى ما يتمناه أعداء الإسلام ... إن هذا المفهوم هو سبب انتكاسة الأمة ... وتصحيح هذا المفهوم هو بداية الطريق لرفعة الأمة.
ولنرى ما يقوله الإمام الشاطبي في ذلك عن التكاليف العينية والكفائية [1] :
«فأما المقاصد الأصلية، فهي التي لا حظ فيها للمكلف، وهي الضروريات المعتبرة في كل ملة، وإنما قلنا إنها لا حظ فيها للعبد من حيث هي ضرورية لأنها قيام بمصالح عامه مطلقة لا تختص بحال دون حال ولا بصورة دون صورة ولا بوقت دون وقت، ولكنها تنقسم إلى ضرورية عينية وإلى ضرورية كفائية.
التكاليف العينية والكفائية:
فأما كونها عينية: فعلى كل مكلف في نفسه فهو مأمور بحفظ دينه إعتقادًا وعملًا، ويحفظ نفسه قيامًا بضرورية حياته، ويحفظ عقله حفظًا لمورد الخطاب من ربه إليه ويحفظ نسله التفاتًا إلى بقاء عوضه في عمارة هذه الدار ورعيًا له عن وضعه في وضعية اختلاط الأنساب العاصفة بالرحمة على المخلوق من مائه وبحفظ ماله استعانة على إقامة تلك الأوجه الأربعة. ويدل على ذلك أنه لو فرض اختيار العبد خلاف هذه الأمور لحجر عليه ولحيل بينه وبين اختياره، فمن هنا صار فيها مسلوب الحظ محكومًا عليه في نفسه، وإن صار فيها حظ فمن جهة أخرى تابعة لهذا المقصد الأصلي.
وأما كونها كفائية: فمن حيث كانت منوطة بالغير أن يقوم بها على العموم في جميع المكلفين لتستقيم الأحوال العامة التي لا تقوم الخاصة إلا بها، إلا أن هذا القسم مكمل للأول، فهو لاحق به في كونه ضروريًا، إذ لا يقوم العيني إلا بالكفائي، وذلك أن الكفائي قيام بمصالح عامة لجميع الخلق، فالمأمور به من تلك الجهة مأمور بما لا يعود عليه من جهته تخصيص؛ لأنه لم يؤمر إذ ذاك بخاصة نفسه فقط وإلا صار عينيًا، بل بإقامة الوجود وحقيقته أنه خليفة الله في عباده على حسب قدرته وما هيئ له من ذلك، فإن الفرد الواحد لا يقدر على إصلاح نفسه والقيام بجميع أهله فضلًا عن أن يقوم بقبيلة فضلاُ عن أن يقوم بمصالح أهل الأرض، فجعل الله الخلق خلائف في إقامة الضروريات العامة حتى قام الملك في الأرض». أ هـ.
ومعنى هذا الكلام:
1 -أن الخطاب بالكفائي متوجه إلى جميع المسلمين فردًا فردًا.
2 -أن الفرد الكفائي أهم من العيني لأن العيني لا يقوم إلا بالكفائي.
(1) الموافقات، كتاب المقاصد الجزء الثاني، بتصريف يسير، ص 176.