أحبائنا الكرام: إن الشريعة لابد لها من صبغة لأن شريعة الله ليست هي مجرد مجموعة قوانين تحكم حياة الناس فقط، ولكنها صبغة كاملة تصبغ الحياة ولابد للقائمين على أمر هذه الشريعة من صبغة يصطبغون بها وإلا فإن فاقد الشيء لا يعطيه، وهذا أولًا.
وثانيًا: إن الصراع الأبدي بين الخير والشر، وبين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان إنما هو صراع لتكون كلمة الله هي العليا أي: شريعته هي المهيمنة والمسيطرة والسائدة وأن تكون كلمة الذين كفروا السفلى، أي: شريعتهم وشركهم هو المقهور والذليل.
وهذا لا يحققه شياطين الإنس، ولا يتحقق حتى إذا طالب به ودعا إليه كل الفضلاء والصالحين من هذه الأمة ولا حتى إذا طالبت به كل جماهير الأمة أو أغلبها ـ بمجرد المطالبة ـ وهذا أنموذج الجزائر ماثل أمام أعيننا حين اختارت الغالبية العظمى من الشعب الجزائري الشريعة، لتحكم حياتها، عندها تحالفت كل قوى الشر لتحول دون أن تكون كلمة الله هي العليا، بل وأعلن الرئيس الفرنسي أن الأمر لو احتاج إلى جيش فرنسي ينزل الجزائر لمنع هذا الأمر لفعل.
فلابد إخواننا الأحباب ـ لإستقرار الشريعة في مجتمع ـ لابد من أمة ترى أنه لامناص لها من الالتزام بالكتاب والسنة والإجماع عليهما وأن هذه هي هويتها التي لا ترضى عنها بديلًا فلا تجتمع على غيرها. أمة ترفض العلمانية ـ اللادينية ـ وفصل الدين عن الدولة وترفض ولاء الكافرين والتبعية لمعسكرات الشرك الدولية من منطلق عقيدة التوحيد، وترى أن القبول لذلك كفر يخرجها من الملة ـ وهو كذلك في دين الله عز وجل ـ فتستبسل في التمسك بعقيدتها وهويتها وشريعتها مهما كانت الضغوط التي تتعرض لها. وإذا وجدت تلك الأمة فهذا هو ملء الفراغ السياسي الذي يصرف عنها كيد أعدائها ليأسهم من تغريبها عن دينها وهويتها وشريعتها، وهذا معنى تحقيق قوله تعالى: {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ} [1] ، فالشريعة لا تستقر في مجتمع بدون عقيدة واضحة وهوية واحدة مجردة من الالتباسات، ومجانبة للشرك والأهواء.
وإلى قومنا ومثقفينا الذين ينادون بالإسلام كهوية ـ تراثًا وثقافة ـ تجمع الأمة في مواجهة الفرانكفونية (التراث والثقافة الإفرنجية) دون التأكيد على أن يكون مع هذه الهوية، الشريعة أو العقيدة والتوحيد أو الصبغة نقول:
إنكم تبحثون عن سراب أو عن قبض الريح لأن الهوية إنما هي رابطة تجمع، لا روابط تفريق، يجتمع كل مجموعة من الناس حول رابطة منها ويرفضون الاجتماع حول غيرها.
وذلك أن الاجتماع على التراث والثقافة الإسلامية فقط كهوية ـ دون أن ترتكز هذه الهوية على التوحيد الخالص ـ سيسمح بامتزاج النظم الحياتية الإسلامية مع هذه الهوية فيسمح بالاشتراكية والديمقراطية والرأسمالية وغيرها وبالتالي يكون هناك إسلام اشتراكي له هويته وآخر رأسمالي له رابطته وثالث ديمقراطي له محور استقطابه ورابع ليبرالي ... و وغيرها من الذاهب الأرضية اللادينية.
(1) سورة المائدة، الآية: 3.