فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فكل ذلك حالات استثنائية تسوغ للمكلف ترك الأحكام الجزئية المقررة لعموم المكلفين نصًا أو استباطًا، ليدخل بحسب ما طرأ عليه في العمل بالأحكام الجزئية المقررة للضرورة [1] .
فالمكلف ينتقل من الوجوب أو الحرمة إلى الإباحة، أو من الإباحة إلى الوجوب أو الحرمة، أو من الحرمة إلى الإباحة أو الوجوب، أو إلى تأخير الواجب من أمر ونهي عن وقته دفعًا للضرورة في غالب ظنه.
والمكلف عند مراعاة الضرورة انتقل من مناط إلى مناط آخر، ولا يُعد ذلك خرقًا للتشريع ولا خروجًا عن أحكام الشرع؛ لأن أصول الشريعة اقتضت له حكمًا قبل الضرورة، كما اقتضت له حكمًا آخر بعد الضرورة، وإنما معنى مراعاة الضرورة أنه إذا طرأت الضرورة انفردت من كليات جنسها [2] ، ولحقت بحكم جزئي خاص بها وما
(1) مقصود كلام المصنف أن الأحكام الشرعية الجزئية - من جهة الاضطرار وعدمه - على نوعين، منها ما هو عام لجميع المكلفين، وهذا هو الأصل، وهي الأحكام المتعلقة بحال عدم الاضطرار، ومنها ما هو خاص بحالات الاضطرار الطارئة، وكلا النوعين يدرك إما بالنص أو الاستنباط.
(2) الجنس هنا بمعنى النوع، والمقصود بمصطلح"كليات جنسها"أي الحكم الكلي لهذا النوع، فإذا طرأت الضرورة انفردت في حكمها الخاص عن الحكم الكلي لهذا النوع، والتحقت بحكم جزئي آخر يناسبها، ومثال ذلك: الخمر، فإنه اسم نوع لما أسكر، والحكم الكلي لهذا النوع هو التحريم، وكل ما اندرج تحت نوع المسكر لحقه حكمه، ولذلك أخبر النبي صلى الله عليه وسلمأن كل مسكر حرام، فهذا حكم كلي لجنس المسكر، ولكن إذا طرأت الضرورة انفردت عن الحكم الكلي لجنسها بحكم جزئي خاص بها، أي انفردت عن حكم كليات جنسها، فانفردت عن التحريم، وانتقلت إلى الإباحة، وذلك كمن أوشك على الهلاك ولم يجد الماء أو غيره مما يقوم مقامه من المباحات، ولم يجد إلا الخمر، وكذلك الأسير إذا منعوا عنه الماء حتى أوشك على الهلاك، فهذه حالة ضرورة تنفرد عن حكم التحريم.