فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
مما يؤكد أن مسألة تطبيق الشريعة من أهم - إن لم تكن هي أهم - المسائل التي تحتاج إلى فقه متمكن لا يُجافي القواعد الشرعية والنصوص القطعية، ولا يَتنكر في نفس الوقت للمعلوم من الدين بالضرورة، والمصالح الظاهرة.
قال حامد العلي: (قبل أن نبين هذه المسألة الجليلة، ينبغي أن ننبه إلى أن من أعظم أسباب انتشار الخلاف، وإعقابه الفتن، هو خوض من هب ودب في مثل هذه المسائل، ولو أخذوا بمفهومي الاجتهاد، والتقليد، الذين وضعهما علماؤنا لضبط الفتوى، فلا يخوض في هذه المسائل إلا من شُهِدَ له بالعلم، واشتُهِرَ بذلك، وعُرِفَ شيوخه فيه، ثم المقلد يصمت، لقُضي على أكثر هذه الفتن [1] ، ففي صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنه: أن عمر غضب لما سمع كلامًا من عامة الناس في موسم الحج عن شأن البيعة [2] ، فقال: «إِنِّي إِنْ شَاءَ اللهُ لقَائمٌ العَشِّيةَ في النَّاسِ، فمُحَذِّرهُم هَؤلاءِ الذينَ يُريدُونَ أَن يَغصِبُوهُم أُمورَهُم [3] ، قالَ عبدُ الرحمنِ بنِ عوفٍ رضي الله عنه: فقلتُ
(1) وفي ذلك يقول علماؤنا: لو سكت من لا يعلم لسقط الخلاف، أو لَقَلَّ الخلاف.
(2) وذلك أن رجلًا من المسلمين قال: (لَو قَد مَاتَ عُمَرُ لقَد بَايعتُ فُلانًا، فَواللهِ مَا كانتْ بيعةُ أَبي بَكرٍ إلا فَلْتَةً فَتَمَّتْ) ، وقد رد عمر رضي الله عنه على هذه الشبهة حين قام في الصحابة بالمدينة، فقال في نفس الحديث في البخاري: (ثُمَّ إِنَّهُ بَلغَنِي أَنَّ قَائلًا مِنكُم يقول: واللهِ لَو قَد مَاتَ عُمَرُ بَايعتُ فُلانًا، فَلا يَغتَرنَّ امْرُؤٌ أَنْ يَقولَ إِنَّما كَانتْ بَيعةُ أَبي بكرٍ فلتةً وتَمَّتْ، أَلا وإِنَّها قَد كَانتْ كَذلِكَ، ولكِنَّ اللهَ وَقَى شَرَّهَا، ولَيْسَ فِيكُم مَنْ تُقطَعُ الأَعنَاقُ إِليهِ مِثلُ أَبي بكرٍ) .
(3) وهذا القول من عمر رضي الله عنه يدل على أن التغلب في الإمامة ليس من منهج الصحابة والخلفاء الراشدين، وأنه مناقض للخلافة على منهج النبوة، إذ الأصل في الخلافة أنها لا تكون إلا عن شورى ورضى واختيار، وقد قال عمر رضي الله عنه في نفس الحديث المذكور: (مَنْ بايعَ رجُلًا مِنْ غَيرِ مَشُورةٍ مِنَ المسلِمينَ فلا يُبايَعُ هُوَ وَلا الذِي بَايَعَهُ، تَغِرَّةً أن يُقْتَلا) ، قاله أمام الصحابة على المنبر، فلم ينكر أحد منهم عليه، فكان إجماعًا سكوتيًا منهم، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (1/ 532) : (عثمان لم يَصِر إمامًا باختيار بعضهم - أي بعض الستة -، بل بمبايعة الناس له، وجميع المسلمين بايعوا عثمان لم يتخلف عن بيعته أحد) ، والحديث في المسألة يطول وليس هذا مقام بسطه، ولكنه تعريج سريع اقتضاه المقام وضرورة نازلة الزعم بإعلان الخلافة من قِبَلِ الخوارج المعاصرين، وقد رد عليهم عدد من أهل العلم المعاصرين، ومنهم الشيخ المصنف في كتابه"مسائل في فقه الخلافة"، كما رددت عليهم في كتابي"وقفات تأصيلية حول إعلان الخلافة".