علم الله نيتي!).
يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى: (فالدين أول ما يبنى من أصوله ويكمل بفروعه، كما أنزل الله بمكة أصوله من التوحيد والأمثال التي هي المقاييس العقلية، والقصص والوعد والوعيد، ثم أنزل بالمدينة - لما صار له قوة - فروعه الظاهرة من الجمعة والجماعة والأذان والإقامة والجهاد والصيام وتحريم الخمر والزنا والميسر، وغير ذلك من واجباته ومحرماته، فأصوله تمد فروعه وتثبتها، وفروعه تكمل أصوله وتحفظها) [1] .
يقول الشاطبي رحمه الله: (وهذا معنى صحيح معتبر في الاستقراء العادي، فكان ما كان [2] أجرى بالمصلحة وأجرى على جهة التأنيس، وكان أكثرها على أسباب واقعة [3] ، فكانت أوقع في النفوس حين صارت تنزل بحسب الوقائع، وكانت أقرب إلى التأنيس حين كانت تنزل حكمًا حكمًا، وجزئية جزئية، لأنها إذا نزلت كذلك لم ينزل حكم إلا والذي قبله صار عادة، واستأنست به نفس المكلف ... فإذا نزل الثاني كانت النفس أقرب للانقياد) [4] .
ومن حسن السياسة، التمهيد للحكم المستغرب، كما قال ابن القيم رحمه الله: (إذا كان الحكم مستغربًا جدًا مما لم تألفه النفوس، وإنما ألفت خلافه فينبغي للمفتي أن يوطئ قبله ما يكون مؤذنًا به كالدليل عليه والمقدمة بين يديه؛ فتأمل ذكره سبحانه قصة زكريا وإخراج الولد عليه السلام منه بعد انصرام عصر الشبيبة وبلوغه السن الذي لا
(1) مجموع الفتاوى، 10/ 206.
(2) أي من التدرج في التشريع ونزول الوحي.
(3) أي على أحداث ووقائع، وهو ما يعرف بأسباب نزول الآيات، أو أسباب ورود الحديث.
(4) الموافقات، 2/ 149.