لأن قريشًا كانت تُعظم أمر الكعبة جدًا، فخشي (أن يظنوا لأجل قرب عهدهم بالإسلام أنه غَيَّرَ بناءها لينفرد بالفخر عليهم في ذلك. ويستفاد منه ترك المصلحة لأمن الوقوع في المفسدة، ومنه ترك إنكار المنكر خشية الوقوع في أنكر منه، وأن الإمام يسوس رعيته بما فيه إصلاحهم ولو كان مفضولًا، ما لم يكن محرمًا [1] [2] اهـ.
وقال في كتاب الحج: (وفي حديث بناء الكعبة من الفوائد غير ما تقدم، ما ترجم عليه المصنف في العلم، وهو ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر عنه فهم بعض الناس، والمراد بالاختيار في عبارته المستحب [3] . وفيه اجتناب ولي الأمر ما يتسرع الناس إلى إنكاره وما يخشى منه تولد الضرر عليهم في دين أو دنيا، وتألف قلوبهم بما لا يترك فيه أمر واجب. وفيه تقديم الأهم فالأهم من دفع المفسدة وجلب المصلحة، وأنهما إذا تعارضا بُدئ بدفع المفسدة، وأن المفسدة إذا أمن وقوعها عاد استحباب عمل المصلحة [4] .
(1) قول ابن حجر: (ما لم يكن محرمًا) يدل على استحباب الأمر وعدم وجوبه كما ذكرنا.
(2) فتح الباري، 1/ 390.
(3) وهذه العبارة من ابن حجر أصرح في بيان عدم الوجوب، وكذلك قوله اللاحق: (بما لا يترك فيه أمر واجب) .
(4) فتح الباري، 4/ 497. ذكر الإمام النووي والحافظ ابن حجر رحمهما الله لتأليف قلوب الرعية ولو بفعل المفضول، لا يعني اتباع أهوائهم، يقول ابن تيمية رحمه الله: (فليس حسن النية بالرعية والإحسان إليهم أن يفعل ما يهوونه ويترك ما يكرهونه، فقد قال الله: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} ، وقال تعالى للصحابة: {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} ، وإنما الإحسان إليهم فعل ما ينفعهم في الدين والدنيا ولو كرهه من كرهه؛ لكن ينبغي له أن يرفق بهم فيما يكرهونه، ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {مَا كَانَ الرِفْقُ في شيءٍ إلا زانَهُ، ولا كانَ العُنْفُ في شيءٍ إلا شانَهُ} ، وكان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يقول:"والله إني لأريد أن أخرج لهم المرة من الحق فأخاف أن ينفروا عنها فأصبر حتى تجيء الحلوة من الدنيا فأخرجها معها فإذا نفروا لهذه سكنوا لهذه") [مجموع الفتاوى، 28/ 364] . [المصنف] .