ولا يخفى أن المصلحة المتروكة محققة والمفسدة المتروكة من أجلها مظنونة، مع ذلك رجح اعتبار المفسدة، فالنبي صلى الله عليه وسلم مع وجود السلطة والقدرة - بعد الفتح - على الفرض بالقوة، ومع كونهم مسلمين ترك تطبيق الأفضل حتى لا تكون فتنة؛ لأن القوم كانوا حديثي عهد بالإسلام!. ثم لما بَعُدَ العهد بالجاهلية ولم تعد ثمة مفسدة متوقعة جاء ابن الزبير فهدمها وبناها على قواعد إبراهيم، فليس المراد بالقدرة الشرعية القدرة على الفعل من غير نظر لعواقبه [1] .
قال ابن أبي العز الحنفي ( [فالشارع] [2] لا ينظر في الاستطاعة الشرعية إلى مجرد إمكان الفعل، بل ينظر إلى لوازم ذلك، فإذا [3] كان الفعل ممكنًا مع المفسدة الراجحة
(1) وقد سبق قول الشاطبي رحمه الله:"النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا"اهـ، كما سبق التنبيه على ضرورة ملاحظة القاضي والمفتي ظروف وأحوال وملابسات ومآلات الواقعة وآثارها، فالحكم إذا كان يؤدي في مآله إلى الفتنة والفساد على الدين أو الأمة، فإن القاضي يتوقى ذلك المآل بالقيود الدافعة له زيادة أو نقصًا، أو يعدل عنه إلى حكم آخر، فلا يستقيم عقلًا وشرعًا أن تأمر الشريعة بما يؤول إلى المفسدة أو ما تربو مفسدته على مصلحته. [المصنف] .
(2) ما بين القوسين ساقط من الأصل.
(3) في الأصل: فإن، والصواب ما أثبتناه.