فهرس الكتاب

الصفحة 190 من 302

لم تكن هذه استطاعة شرعية) [1] .

(1) شرح العقيدة الطحاوية، 2/ 638.

قلت: التكاليف الشرعية منوطة بالقدرة والاستطاعة، والاستطاعة الشرعية ليست مجرد إمكان القيام بالعمل، ولكنها إمكان القيام به دون ترتب ضرر معتبر أو مفسدة راجحة، فإن ترتب الضرر أو المفسدة فقد انتفت الاستطاعة وإن تحقق الإمكان، ومن ثم سقط التكليف لانتفاء الاستطاعة الشرعية رغم إمكان القيام بالعمل، ومثال ذلك في التيمم للمريض، فإن المريض يمكنه استعمال الماء، ولكن لما كان هذا الاستعمال سيؤول إلى ضرر يقع عليه، صار كالعاجز أو كفاقد الماء، رغم وجوده وإمكان استعماله، وكذلك في الفطر للمريض والمسافر، فإن المريض يمكنه الصيام، وكذلك المسافر، ولكن لما خُشِيَ ترتب مفسدة بسبب هذا الصيام، جُعِلَ كالعاجز وسقط التكليف عنه، وكذلك في المدِين إذا بلغ ماله النصاب وحال عليه الحول، فإنه يمكنه إخراج الزكاة، لكن لما كان هذا الأمر يترتب عليه ضرر على الدائن، سقطت عنه الزكاة لحين سداد دينه، ثم يُنظر في ماله، هل بَقِيَ على بلوغه للنصاب أم نَقُص، فإن كان بالغًا للنصاب أخرج الزكاة، وإلا سقطت عنه، ونظائر هذا كثيرة في الشرع، وهذا هو معنى الاستطاعة في كلام الشارع، وفي أقوال الأئمة كذلك، كابن تيمية وابن أبي العز وغيرهما، وهو مطرد، فمتى ذُكرت القدرة أو الاستطاعة أو مشتقاتهما، فهي على هذا المعنى، ومن هنا يتبين الفرق بين القدرة والقوة كما أشرنا في موضع سابق، كما يتبين الفرق بين الاستطاعة والقدرة بمعناها اللغوي وبين معناها الشرعي الاصطلاحي.

والقدرة والاستطاعة هي الأصل الجامع لجميع شروط التكليف، سواء الشروط في الفعل المكلف به، بأن يكون معدومًا - أي غير حاصل، كالصلاة بعد دخول وقتها وقبل أدائها من المكلف - معلومًا ممكنًا، أو في الفاعل المكلف، بأن يكون قادرًا على فهم الخطاب وعلى قصده وامتثاله، وهذا معنى قوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] ، ومن انضبط لديه هذا الأصل انضبطت لديه مسألة عوارض الأهلية وموانع التكليف، ومنها الجنون والصغر والنسيان والنوم والإكراه والجهل وغير ذلك، ويجمعها جميعًا العجز، وهو ضد الاستطاعة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (فمن استقرأ ما جاء به الكتاب والسنة تبين له أن التكليف مشروط بالقدرة على العلم والعمل، فمن كان عاجزًا عن أحدهما سقط عنه ما يعجزه، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها) [مجموع الفتاوى، 21/ 359] .

وقال أيضًا: (الأمر والنهي الذي يسميه بعض العلماء التكليف الشرعي مشروط بالممكن من العلم والقدرة، فلا تجب الشريعة على من لا يمكنه العلم كالمجنون والطفل، ولا تجب على من يعجز كالأعمى والأعرج والمريض في الجهاد، كما لا تجب الطهارة بالماء والصلاة قائمًا والصوم وغير ذلك على من يعجز عنه ... فإنه لا خلاف أن تكليف العاجز الذي لا قدرة له على الفعل بحال غير واقع في الشريعة، بل قد تُسقط الشريعة التكليف عمن لم تكمل فيه أداة العلم والقدرة، تخفيفًا عنه وضبطًا لمناط التكليف، وإن كان تكليفه ممكنًا، كما رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم، وإن كان له فهم وتمييز، لكن ذاك لأنه لم يتم فهمه، ولأن العقل يظهر في الناس شيئًا فشيئًا، وهم يختلفون فيه، فلما كانت الحكمة خفية ومنتشرة قيدت بالبلوغ، وكما لا يجب الحج إلا على من ملك زادًا وراحلة عند جمهور العلماء، مع إمكان المشي، لما فيه من المشقة، وكما لا يجب الصوم على المسافر، مع إمكانه منه، تخفيفًا عنه، وكما تسقط الواجبات بالمرض الذي يُخاف معه زيادة المرض وتأخر البرء، وإن كان فعلها ممكنًا) [المصدر السابق، 10/ 200، بتصرف] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت