فهرس الكتاب

الصفحة 195 من 302

في أثناء الغزو أو في أرض العدو، لكون ذلك مظنة استيقاظ حمية الجاهلية في نفس من استوجبه، فيحمله ذلك على الارتداد واللحاق بالكفار فرارًا من الحد وطلبًا للسلامة والنجاة.

وبإزاء هذه المفسدة اللاحقة بالجاني، ثمة مفسدة هي أكثر ضررًا وأعظم أثرًا من مفسدة ارتداد شخص أو فراره، ألا وهي مفسدة الهزيمة وارتجاج الصف، المتسببة عن إغفال الخصوصيات الظرفية التي تحتف بالمجاهدين بين يدي العدو، وتداعي الهواجس والوساوس وخواطر التخذيل ونوازع التراجع، مما يجعل نفسية المجاهد تراوح بين صدق الولاء للدين، وبين التوجس من تفويت النفس وإزهاق الروح، أو الوقوع في أسر العدو وأغلاله.

فإذا أهملنا هذه العوارض كلها ورحنا نصر في حماسة الأطفال على تنفيذ الحد، فقد أعنا الشيطان على غايته، وشرعنا أبواب الهزيمة كي تحل بنا، وتجنبًا لهذا المآل الممنوع جرى الشرع على المنع من تنفيذ الحدود في مثل هذه المواطن) [اعتبار المآلات ومراعاة نتائج التصرفات] .

ومن الدليل الرابع والخامس والسادس والسابع يتبين لنا أن مآلات الأقوال والأفعال معتبرة شرعًا، ومشروعية سد الذرائع، وأن وراء الأحكام معان وحكم ومصالح [1] .

قال الشاطبي رحمه الله بعد أن ذكر أمثلة لأفعال نُهِيَ عنها سدًا للذريعة: (والشريعة مبنية على الاحتياط والأخذ بالحزم، والتحرز مما عسى أن يكون طريقًا إلى مفسدة، فإذا كان هذا معلومًا على الجملة والتفصيل؛ فليس العمل عليه ببدع في الشريعة، بل

(1) وذلك أن الأحكام ليست قائمة لذاتها، وإنما لما يترتب عليها من حكم ومصالح اعتبرها الشارع، وإن خفي علينا بعضها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت