قد يكون هناك أمران مطلوب تحصيلهما، ولكن لا يمكن تحصيل أحدهما إلا بتفويت الآخر، فهما على ذلك متدافعان، كما أنه قد يكون هناك أمران مطلوب اجتنابهما، ولا يمكن اجتناب أحدهما إلا بفعل الآخر، فهنا تُحَصَّل أعظم المصلحتين، وتدفع أقبح المفسدتين، فمثلًا: الشهادة يطلب فيها العدول، فإذا لم نجد العدول صرنا بين أمرين: إما ضياع الحقوق، وإما شهادة غير العدول، وقد أفتى أهل العلم في مثل ذلك أن لكل قوم عدولهم، وعلى القاضي أن يتوسم فيهم ويقبل أكثرهم صلاحًا وأقلهم فجورًا، وواضح أنه إذا وجد العدول في هذا المكان لم تقبل شهادة غيرهم.
6 -وجود العارض وزواله:
قد يكون هناك شيء محبوب شرعًا، لكن يُخشى من فعله أن يترتب عليه تكليف قد لا يقوم به الناس، فيُترك هذا الشيء لذلك العارض، فإذا زال العارض رجع الأمر إلى حالته الأولى.
مثال ذلك: امتناع الرسول (عن قيام الليل في رمضان في المسجد بعدما فعل ذلك عدة ليال؛ وذلك خوفًا من أن يُفرَضَ قيام الليل على المسلمين [1] رحمة منه (، فلما زال هذا الأمر بوفاة الرسول (، وأُمِنَ عدم فرض قيام الليل جاز الاجتماع في
(1) والحديث رواه البخاري في صحيحه (2012) عن عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها أخبرته أن رسولَ اللهِ (خرج ليلة من جوف الليل، فصلَّى في المسجد، وصلَّى رجال بصلاته، فأصبح الناس فتحدثوا، فاجتمع أكثر منهم فصلوا معه، فأصبح الناس فتحدثوا، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول الله (فصلَّى فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله، حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر أقبل على الناس، فتشهد، ثم قال: {أمَّا بَعدُ، فإنَّهُ لم يَخْفَ علي مكانَكُم، ولكني خشيتُ أن تُفرَضَ عليكُم فتَعْجَزُوا عَنها} ، فتُوفِي رسول الله (والأمر على ذلك.