ولقد سبق أن علمنا كذلك أن العلماء قد قسموا المصالح التي تنبني عليها الأحكام إلى أربعة أقسام تبعًا للعلل التي تنبني عليها، وهي العلة التي هي بمثابة وصف ملائم مؤثر، والعلة التي هي بمثابة وصف ملائم، والعلة التي تنبني على وصف غريب شاذ، وهذه قد جاء الشرع بإلغائها، وإهمالها.
والعلة هي وصف مرسل لم تأت الشريعة بإثباته أو إلغائه، والحكم الذي ينبني على هذا الوصف الأخير الذي يسمونه الوصف المرسل هو عين ما يسمى بالمصلحة المرسلة، وسمى بالمرسل (اصطلاحًا) لأنه ليس مطلوبًا للشارع بنص خاص، وليس منفيًا أيضًا بنص خاص فكل مصلحة يراها الناس مصلحة، ولم يأت في الشرع نص أو قياس يرشد إلى وجوب الأخذ بها، أو يرشد إلى وجوب تركها وإهمالها فهي المصلحة المرسلة.
اعلم أن هذا التعريف فيه تجوز كثير لأنه لا توجد مصلحة أصلًا إلا وقد جاء الشرع بأخذها ولو بوجه عام، ولا بد أن تكون مندرجة تحت قاعدة كلية أو نص عام، ولذلك لا يتصور أن يكون هناك استصلاح مطلقًا ولا استحداث حكم لجلب منفعة، أو دفع مضرة إلا وقد جاءت الشريعة بنوع بيان لها، وإنما المقصود هنا بأنها مرسلة أنه لم يأت في ذاتها أمر منصوص، ولا جاء في عينها أيضًا نهي منصوص أو مقيس عليه.
الفرق بين المصلحة المرسلة والقياس أن المصلحة المرسلة ليس هناك أصل محدد تقاس عليه، ولا واقعة تماثلها من كل الوجوه حتى يجمع بينهما بالعلة الجامعة، وإنما هناك مصلحة يراد الوصول إليها، وهذه المصلحة سواء كانت لحفظ دين الناس أو دنياهم لم يأت نص شرعي بالنهي عنها ولم يأت نص شرعي بأخذها بخصوصها فإننا نستنبط لها حكمًا، ونأخذ بها لأننا نعلم ونوقن في الجملة أن الشريعة قد جاءت بمصالح العباد.
عمل الصحابة والتابعون والأئمة بوجه عام بالمصالح المرسلة وإن كانوا قد اختلفوا أحيانًا في مسماها فالصحابة رضوان الله عليهم علموا بالكثير منها من باب أن ما فعلوه فيه منفعة للأمة دون أن يسموها بهذا الاسم المصالح المرسلة، ومن أشهر ما صنعوه في ذلك جمع أبي بكر الصديق رضي الله عنه القرآن فقد روى البخاري -رحمه الله- عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أنه قال: (أرسل إلي أبو بكر الصديق رضي الله عنه، بعد مقتل أهل اليمامة وعنده عمر رضي الله عنه، قال أبو بكر: أن عمر أتاني فقال: أن القتل قد استحر يوم اليمامة بالناس، وإني أخشى