فهرس الكتاب
دون الأردية والأزر والجلباب ونحوها، تقيدت يمينه بذلك وحده في جميع هذه الصور واختصت بعرفه دون موضوع اللفظ لغة أو عرف غيره، بل لو قالت المرأة لزوجها الذي لا يعرف التكلم بالعربية ولا يفهمها: قل لي: أنت طالق ثلاثًا، وهو لا يعلم موضوع هذه الكلمة فقال لها، لم تطلق قطعًا في حكم الله تعالى ورسوله، وكذلك لو قال الرجل لآخر: أنا عبدك ومملوكك على جهة الخضوع له كما يقول الناس لم يستبح ملك رقبته بذلك، ومن لم يراع المقاصد والنيات والعرف في الكلام فإنه يلزمه أن يجوز له بيع هذا القائل وملك رقبته بمجرد هذا اللفظ، وهذا باب عظيم يقع فيه المفتي الجاهل فيغر الناس ويكذب على رسول الله، ويغير دينه، ويحرم ما لم يحرمه الله، ويوجب ما لم يوجبه الله .. والله المستعان" (أعلام الموقعين ص/289 - 291 ج. ع.) "
ولا شك أن الأعراف متغيرة بتغير الأزمان والأوطان فما يكون عرفًا عند قوم قد لا يكون عرفًا عند غيرهم، وأعراف الماضي غير أعراف الحاضر، ولا شك أنه يجب مراعاة ذلك كله عند التشريع والحكم والقضاء، ويقول ابن القيم -رحمه الله- في هذا الصدد أيضًا:"ومن أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عرفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأمكنتهم وأحوالهم فقد ضل وأضل، وكانت جنايته على الدين أعظم من جناية من طبب الناس كلهم على اختلاف بلادهم وعوائدهم، وأزمنتهم وطبائعهم بما في كتاب من كتب الطب على أبدانهم، بل هذا الطبيب الجاهل، وهذا المفتي الجاهل أضر ما يكون على أديان الناس وأبدانهم .. والله المستعان"
ونقل أيضًا عن المالكية أخذهم بالعرف ووجوب تحكيمه في عادات الناس ومضامين ألفاظهم.
وقالوا: وعلى هذا أبدًا تجيء الفتاوى في طول الأيام فمهما تجدد في العرف فاعتبره، ومهما سقط فألغه، ولا تجمد على المقول في الكتب طول عمرك بل إذا جاءك رجل من غير إقليمك يستفتيك، فلا تجره على عرف بلدك، وسله عن عرف بلده فأجره عليه، وأفته به دون عرف بلدك، والمذكور في كتبك. قالوا فهذا هو الحق الواضح والجمود على المنقولات أبدًا ضلال في الدين، وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين.
قالوا: وعلى هذه القاعدة تخرج أيمان الطلاق والعتاق، وصيغ الصرائح والكنايات فقد يصير الصريح كناية فتفتقر إلى النية، وقد تصير الكناية صريحًا تستغني عن النية.
قالوا: وعلى هذه القاعدة فإذا قال: أيمان البيعة تلزمني خرج ما يلزمه على ذلك وما جرت به العادة في الحلف عند الملوك المعاصرة إذا لم يكن له نية .. فأي شئ جرت به عادة ملوك الوقت في التحليف به في بيعتهم، واشتهر ذلك عند الناس، بحيث صار عرفًا متبادرًا إلى الذهن من غير قرينه، حملت يمينه عليه، فإن لم يكن شيء من ذلك اعتبرت نيته، أو بساط يمينه، فإن لم يكن شيء من ذلك، فلا شيء عليه"انتهى (أعلام الموقعين(3/ 99 ) ) "