فهرس الكتاب
(3) وقسم لا يوصف بحل ولا حرمة، ولا خبث ولا طيبة وإنما هو اصطلاح وتواضع على مدلولات لغوية كما مثلنا بمعاني الولد، والدابة والسراج، ونحو ذلك، وهذا لا يوصف بحل ولا حرمة، ولكن يجب مراعاته ومعرفة مدلولاته.
وكذلك من هذا القسم ما يعتاده الناس في معاملاتهم وعاداتهم مما لا يوصف بمنافاة الشريعة ولا يعارض مكارم الأخلاق.
معنى أن العرف دليل شرعي:
ويعد البيان السابق لمعاني العرف نأتي الآن للمقصود، يقول علماء الأصول في وجوب الأخذ بالعرف، وأن العادة فريضة محكمة .. وقولهم: والمعروف عرفًا كالمشروط شرطًا ..
وكل هذه العبارات تعني وجوب مراعاة أعراف الناس في القضاء والفتيا، وسن قوانين شرعية، فلا عبرة أولا لعرف يخالف الشريعة ويعارض النص، وكل ما تعارف الناس عليه مما لا يعارض الشريعة فيجب مراعاته، ولا يجوز الحكم أو التشريع بحسب المدلولات اللغوية الأصلية دون مراعاة وفهم المدلولات العرفية، يقول الإمام ابن القيم في وجوب الأخذ بالأعراف اللغوية:"لا يجوز للمفتي أن يفتي في الإقرار والأيمان والوصايا وغيرها مما يتعلق باللفظ بما اعتاده هو من فهم تلك الألفاظ دون أن يعرف عرف أهلها والمتكلمين بها فيحملها على ما اعتاده وعرفه وإن كان مخالفًا لحقائقها الأصلية، فمتى لم يفعل ذلك ضل وأضل، فلفظ الدينار عند طائفة اسم لثمانية دراهم، وعند طائفة اسم لاثني عشر درهمًا، والدرهم عند غالب البلاد اليوم اسم للمغشوش، فإذا أقر له بدراهم أو حلف ليعطيه إياها أو أصدقها امرأة لم يجز للمفتي ولا للحاكم أن يلزمه بالخالصة، فلو كان في بلد إنما يعرفون الخالصة لم يجز له أن يلزم المستحق بالمغشوشة، وكذلك في ألفاظ الطلاق والعتاق، فلو جرى عرف أهل بلد أو طائفة في استعمالهم لفظ الحرية في العفة دون العتق كأن قال أحدهم عن مملوكه: أنه حر، أو عن جاريته أنها حرة وعادته استعمال ذلك في العفة ولم يخطر بباله غيرها لم يعتق بذلك قطعًا، وإن كان اللفظ صريحًا، وكذلك إذا جرى عرف طائفة في الطلاق بلفظ التسميح لا يعرفون لهذا المعنى غيره، كأن قالت: أسمح لي، فقال: سمحت لك فهذا صريح في الطلاق عندهم، وقد تقدم الكلام في هذا الفصل مشبعًا وأنه لا يسوغ أن يقبل تفسير من قال: لفلان علي مال جليل، أو عظيم، بدانق أو درهم، ونحو ذلك، ولا سيما إن كان المقر من الأغنياء المكثرين أو الملوك."
وكذلك لو أوصى له بقوس في محله ولا يعرفون إلا أقواس البندق أو الأقواس العربية أو أقواس الرجل.
أو حلف لا يشم الريحان في محجل لا يعرفون الريحان إلا هذا الفارسي .. أو حلف لا يركب دابة في موضع عرفهم بلفظ الدابة الحمار أو الفرس .. أو حلف لا يأكل ثمرًا في بلد عرفهم في الثمار نوع واحد منها لا يعرفون غيره .. أو حلف لا يلبس ثوبًا في بلد عرفهم في الثياب القمص وحدها