فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 135

نازعت بعض الطوائف في إمكانية وجود الإجماع وأشهر من نازع في ذلك الروافض وبعض المعتزلة مدعين أن حد الاجتهاد غير معلوم، وأن الوقوف على آراء جميع العلماء في العالم الإسلامي متعذر، وما احتجوا به ليس حجة على الصحيح، لأن معرفة المجتهد من غير المجتهد معلومة معروفة، وهذا أمر لا يخفى على العامة فضلًا عن أن يجهله العلماء فما زالوا يفرقون ويعرفون أهل العلم من غيرهم، وضوابط الاجتهاد معروفة في أصول الفقه، وأما القول بأن اجتماع علماء الأمة على قول واحد مستحيل فقد وقع ذلك في عصر الصحابة، ومعظم أمور الإسلام مجمع عليها، فقد أجمعوا على خلافة الصديق، وتولية عمر الشورى في الستة الذين اختارهم عمر ليختار الخليفة من ورائه، وتوريث الجدات السدس، وحجب ابن الابن بالابن، وأعداد الركعات والصلوات، وغير ذلك من تدوين الدواوين، وكتابة المصاحف، والاجتماع على قراءة واحدة خوفا من التفرق، وأخذ الجزية من المجوس، وآلاف الوقائع مما أجمع عليه المسلمون في عصر صدر الإسلام، وقد ذكرنا آنفا أنه لا يضر في مثل هذه المسائل خلاف الواحد، وهو ما ذهب إليه ابن جرير الطبري، والرازي، ومما يؤيده ما ذكرنا من هذه الوقائع التي قد يوجد في بعضها خلاف من رجل أو رجلين، وكل ذلك لا يؤثر في الإجماع.

وأما عن وقوعه بعد عصر الصحابة فإنه ممكن لو كان ثمة خلافة إسلامية واحدة تحصر العلماء، وتعقد لهم الشورى فيما يقابل المسلمين من وقائع. فإذا اتفقت كلمتهم كان هذا إجماعا، وقد كان عمر بن الخطاب يصنع شيئا نحو هذا حيث يستشير في أمور المسلمين أهل العلم والفقه منهم فإذا اجمعوا على أمر أمضاه، ولا شك أن إمضاء خليفة المسلمين لأمر يوجب الطاعة والمتابعة وإلا كان مخالف ذلك مشاقا لجماعة المسلمين خارجا على جماعتهم.

يأتي الإجماع في المنزلة الثالثة من حيث الدليل الشرعي فالكتاب أولا ثم السنة ثم الإجماع، وهناك من العلماء من يجعل الإجماع مقدما على الكتاب والسنة في الاستدلال ووجهة نظرهم ما يلي:

(أ) أن الإجماع لا ينسخ حيث أن الأمة لو أجمعت في عصر ما من عصورها على مسألة واحدة فيستحيل أن يكون هذا باطلا كما قدمناه لأنها لا تجتمع على ضلالة .. ومعنى هذا أن مثل هذا الحكم لا ينسخ، ولا يأتي بعده إجماع ينسخه.

(ب) أن دلالة بعض آيات القرآن وبعض الأحاديث ظنية أي لا يمكن القطع بها نظرا للاختلاف حول مدلولها وما يفهم منها، وأما دلالة الإجماع فقطعية لأنه لا يكون إلا في أحكام شرعية عملية واضحة الدلالة نطق بها جميع المجتهدين فدل هذا على قطعية دلالتها على المقصود بخلاف حديث ما قد يفهم هذا منه فهما ويفهم هذا منه فهما آخر يخالفه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت