اختار الله سبحانه وتعالى عبده ورسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم ليكون للعالمين نذيرًا، وهذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم كان عربيًا نشأ فيهم يتكلم لسانهم، وأنزل الله سبحانه وتعالى عليه كتابًا بلغة العرب {قرآنًا عربيًا غير ذي عوج} (الزمر:28) .. {إنا أنزلناه قرآنًا عربيًا لعلكم ... تعقلون} (يوسف:2) .. {إنا جعلناه قرآنًا عربيًا لعلكم تعقلون} (الزخرف:3)
ولما كان الكتاب الذي أمرنا بتدبره والعمل بأحكامه عربيًا، ولسان النبي المبين للقرآن عربيًا وجب علينا أن نفهم الكتاب من واقع هذا اللسان العربي.
ولما كان للعرب طرائقهم في التعبير، وتصرفهم في الكلام فإنه يتوجب فهم لغة العرب كما نزل بها القرآن، وهذا يستلزم معرفة قواعد النحو، والصرف، والبلاغة، ومراد العرب من ألفاظهم وتراكيبهم.
ويتأتى ذلك باتباع الخطوات الآتية:
الحقيقة اللغوية: (المعنى الأصلي للكلمة) :
الخطوة الأولى في فهم دلالة كلام العرب على معانيه أن يعرف المعنى الأصلي للكلمة، ويسمى المعنى اللغوي لها، وهو المعنى الذي أرادته العرب فاستعملت فيه اللفظ، فلفظ (البحر) مثلًا أساسه الشق، ومنها سميت الناقة التي يشقون أذنها علامة على تسييبها لأصنامهم البحيرة، وفي حديث عبدالمطلب:"وحفر زمزم ثم بحرها بحرًا أي شقها ووسعها حتى لا تنزف"، وسمى الشق الواسع المملوء ماءً بحرًا ..
ولما كان واسعًا منبسطًا سمى كل ما اتصف بالسعة بحرًا، كما قال صلى الله عليه وسلم في فرس أبي طلحة: [وجدناه بحرًا] (البخاري(2820) ، ومسلم (2307) من حديث أنس بن مالك)
أي واسع الخطو عظيم الجري، وسمى ابن عباس رضي الله عنه بحرًا لسعة علمه وكثرته. وهذا مثال واحد يبين لك كيف أنه يجب أولًا فهم المعنى اللغوي للكلمة، وما الذي أراده العرب بها عند نطقهم لها، وكيف تصرفوا فيها بعد ذلك.
الحقيقة الشرعية (المعنى الشرعي للكلمة) :
ثم يأتي بعد فهم المعنى اللغوي إدراك المعنى الشرعي الذي ساق الشارع الكلمة فيه.
وذلك أن المعاني الشرعية التي نقلت إليها الألفاظ العربية معاني مخصوصة تتفق في أصل الوضع اللغوي وتختلف بأنواع من التخصيص عن المعنى اللغوي الأول، فلفظ الإسلام والإيمان، والتوحيد، والشرك، والكفر، والصلاة، والصوم، والزكاة، والحج يختلف مدلولها الشرعي عن المدلول اللغوي.